على أن هؤلاء المبتدعين، فضلا عن حرصهم على حفظ مكانتهم عند الرعاع، قوم استأنسوا بظلام الجهل، وأخلدوا إلى المسكنة والذل، حتى طبع الله على قلوبهم، وعلى أبصارهم غشاوة، فهم يتأذى بصرهم من نور العلم، ويعزّ عليهم الخروج من غيابة الجبّ إلى استنشاق الهواء الطلق في هذا الفضاء الواسع المترامي الأطراف، وهم -مع ذلك كله- لا يخجلون من دعوى أنهم رجال الإصلاح والصلاح، وأن سعادة البشر لا تتم إلا باتباع مناهجهم وسبُلهم! ويعلم الله أنهم ليسوا إلا حشرات سامة، تحارب السعادة والبُلَهْنيّة [1] ، وتمزق أشلاء الإنسانية بسمّها الناقع، وشرها المستطير، وأن محدثاتهم لأضرّ على الدين من طعنات ألدّ أعدائه، وأجلب للشرور إليه من أشد مناوئيه.
أجل! فإنه لولا محدثاتهم المخزية التي شوّهوا بها الدين، وتفهيمهم الدين للناس تفهيما مقلوبا لما تجرأ أحد على الطعن فيه، ولما خسر كل يوم عددًا من أبنائه غير قليل.
وليس ما يرتكبه هؤلاء جهارًا، ليلًا ونهارًا، من ضروب الموبقات، ويجرأون عليه من مقاومة المصلحين جهلًا وعدوانًا بضروب الوسائل، بخافٍ على أحد، وقد كنت إخال أن للعراق النصيب الأوفر والحظ الأكبر، من هؤلاء المبتدعة حتى إذا كُتبت الرحلة لي في هذه الأيام إلى بلاد الشام، ووقفت عن كثب على أحوال قادتهم، واطلعت على بعض ما لهم من المؤلفات في الدعوة إلى حشوهم، والتهويل على المصلحين؛ دهشت مما
(1) الرخاء وسعة العيش.