وفي هذا دلالة على أنه ينبغي لأمير المسلمين أو أمير الجيش ألا يتخذ مقاتلًا إلا وهو صاحب عزيمة وقوة حتى لا تخذل الأمة به، ولهذا راجعهم في هذا الأمر فيما يعلمه من حالهم، وتكون المفسدة في ذلك على حالين: مفسدة خاصة في ذات الإنسان في دينه، وهي أنه إن انتكس في حال التقاء الصفين ويوم الزحف أثم وارتكب موبقًا من الموبقات، وهذا من الآثام الخاصة، ومفسدة عامة على الأمة بعمومها، بحيث تؤتى الأمة من قبل ذلك الضعيف أو غير الثابت، فإن الأمة إذا غلبت في ذلك كانت من قبل فرد كانت المفسدة في ذلك عامة.
وقوله هنا: قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ [البقرة:246] ، في هذا إشارة إلى أن الأمير إذا وضع على الجيش وجب عليهم أن يأتمروا بأمره، وذلك أنه في ظاهر هذه الآية أنهم طلبوا ملكًا يقاتلون معه، فأرجعهم وراجعهم نبيهم في ذلك وأصروا على أمرهم، فبين لهم أنه إن بعث ملكًا ليقاتلوا معه ظاهر الأمر أنه يكتب عليهم القتال، فلا يجوز لهم أن يرجعوا حينئذٍ إلا بإذنه، وإذا رجعوا من غير إذنه أثموا. وفي هذه الآية دلالة على أنه ينبغي للإنسان أن يأخذ بما سلف من أحوال الناس، وذلك كحال المنتكسين أو حال الضعفاء، أو غير ذلك، فينظر إلى أحوالهم، ثم يحكم فيها الحال، فهذا النبي نظر إلى حالهم في السالف بنقض العهد، وعدم الثبات، والقوة والعزيمة، شكك بأمرهم في أمر الحال، وهذا هو الاعتبار، وكذلك سبر الأحوال السالفة والحكم على الأمر الحالي لأجل ما سلف. قال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا [البقرة:246] .