وهذا فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا أراد أن يحمل غيره أمرًا مهمًا أنه ينبغي له أن يختبره وأن يبتليه، ومعنى الاختبار والابتلاء: أن يقوم بامتحانه حتى يصبر, بنوع من التكاليف والتجربة حتى ينظر حاله, وهذا من الأمور المعروفة فطرة, ومن الأمور المعروفة شرعًا، فإن الله عز وجل ما ترك نبيًا من أنبيائه إلا ابتلاه بشيء من البلاء قبل بعثته وبعد بعثته؛ حتى يكون من أهل الجلادة والصبر، فكل تكليف يريد الإنسان أن يكلف به غيره ينبغي أن يبتليه قبل التكليف, ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم في سورة النساء: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ [النساء:6] ، يعني: ينبغي لكم أن تختبروهم لا أن تعطوهم جزافًا، فهذا نوع من التكليف, فقم باختباره والنظر فيه, ومعنى الاختبار أعطه شيئًا من التكليف, إذا كان من ماله لديك ألف فأعطه خمسة أو ستة أو سبعة ونحو بذلك ثم انظر بماذا يتصرف بها, ثم تدرج في أمره حتى يكتمل التكليف لديه، وهذا ما أمر الله عز وجل به إبراهيم وابتلاه به في ابتداء أمره، فابتلاه بأشياء لازمة في ذاتها حتى يتعود على الصبر, ومعلوم أن أعظم المشاق هي في أول الطريق، فإذا اعتاد الإنسان عليها ثبت على ذلك؛ كحال الإنسان يبتلى بشيء من الأمور القدرية من الحر والبرد، فأشده أوله عليه, ثم بعد ذلك يتصبر ولو استمر ذلك دهرًا طويلًا. كذلك أيضًا ما يقع في الإنسان من شدة ممن يسكن البراري والبوادي، أول الشدة عليه ابتداؤها, ولهذا الله عز وجل يجعل الشدة على أنبيائه ابتداءً قبل أن يباشروا الأمر الأهم في ذلك.