قد يقول قائل: هذا عموم، فما الذي يخصصه؟ نقول: يخصصه القرآن, وهذا من المواضع النادرة التي يخصص القرآن السنة، والأصل أن السنة هي التي تخصص القرآن وتبين مجمله، وهذا يخصصه قول الله جل وعلا: من الذين أوتوا الكتاب حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29] ، فيخصص هذا الحديث بالمشركين، ويستثنى من ذلك أهل الكتاب لظاهر الآية، ويأتي مزيد كلام في ذلك.
والقول الثاني: أن هذه الآية محكمة، وذلك أن الله عز وجل إنما أنزلها على نبيه عليه الصلاة والسلام على حال مخصوصة وتحمل على ذلك الخصوص ولا تحمل على العموم، والنسخ إنما يصار إليه عند معرفة التاريخ، فإذا عرف المتقدم من المتأخر وثمة تعارض من جميع الوجوه، فيقال حينئذٍ بالنسخ، وقد يعرف التاريخ المتقدم من المتأخر وتكون الآية في ذلك لا تعترض مع غيرها، فلا يقال حينئذٍ بالنسخ إلا بالنص. ومعلوم أن السلف الصالح ربما يقولون بنسخ آية، ولا يريدون بالنسخ الاصطلاحي عند الأصوليين، وإنما يريدون بذلك التخصيص، فيسمون التخصيص نسخًا، والأصل أن هذه الآية محكمة وذلك أنها نزلت في أهل الكتاب، وسبب نزولها ما رواه الإمام أحمد و أبو داود في السنن وكذلك ابن جرير الطبري و ابن أبي حاتم من حديث أبي بشر عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس: (أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة كانت الأنصار تكون فيهم المرأة مقلاة) ، يعني: أنها ما حملت أسقطت جنينًا ميتًا: (فكانوا يتيمنون باليهود) .