وأما بالنسبة للبكر اليتيمة فإنها تلحق بالثيب، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تزويج ابنة عثمان بن مظعون لما توفي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنها يتيمة لا تزوج إلا بإذنها) ، فذكر الخصيصة التي فيها، وهي صفة اليتم، فلا تزوج إلا بإذنها، ويكون إذنها كحال إذن الثيب، ويتمحص الإنسان في ذلك تحريًا وتشديدًا. وإنما اختلفت البكر اليتيمة عن البكر من غير يتم، أن هذا أطيب لنفسها وأحفظ لحقها، أطيب لنفسها: أن الإنسان إذا كان يرعى بكرًا يتيمة، فإن رعايته لها تختلف عن رعايته لابنته من صلبه، فإذا أراد أن يزوجها فإنها ربما وقع في نفسها أنه يريد الخلاص منها، أو يريد الانتفاع من مهرها، بخلاف حظ الرجل من ابنته، فإنه يرعى ابنته أشد من رعايته للبنت اليتيمة التي تكون عنده، فشدد الشارع في ذلك. كذلك من وجوه التشديد في أمر اليتيمة: أن ولاية الرجل على اليتيمة ولاية عارضة، وأما ولاية الأب على ابنته فهي ولاية أصلية دائمة لا تنفك إلا لعلة شرعية، وذلك أن الرجل إذا زوج ابنته البكر ثم طلقها من تزوجها، فإنها تعود إليه بلا نظر، فإما أن تكون تحت ولاية وقوامة زوجها، وإما أن تكون راجعةً إلى أبيها، بخلاف اليتيمة إذا زوجها وليها فإنها بعد طلاقها ربما ترجع إليه وربما ترجع إلى ولاية غيره؛ فلهذا كان التشديد في ذلك لأن اليتيمة إذا زوجت ربما تعلم أنها انفكت من ولايته، فتصبر على شيء من الأذى والجور والظلم والضر الذي ينزله الزوج بها خشية أن ترجع إلى ولي آخر أو لا تجد لها وليًا. فشدد في أمر إنكاحها ابتداءً، فلحقت اليتيمة البكر بالثيب من جهة التشديد في أمر النكاح.