وركنية الحج لا خلاف فيها, وإنما وقع الخلاف في حكم تارك الحج مع القدرة عليه, وقد سبق معنا الكلام على الحج: هل هو على الفور أم على التراخي؟ تقدم معنا هذا عند تفسير قول الله عز وجل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] .وأما من ترك الحج متعمدًا مع مرور الأعوام عليه وهو مستطيع؟ ذهب عامة العلماء وأكثر السلف إلى أنه مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب, ولا يكفر بفعله ذلك. القول الثاني: قالوا بكفره, وأن حكمه كحكم تارك الصلاة عمدًا, وقد ذهب إلى هذا بعض السلف, وهو مروي عن سعيد بن جبير والحكم بن عتيبة وهو رواية عن الإمام أحمد، وقال به ابن حبيب من المالكية, وهو قول إسحاق بن راهويه عليه رحمة الله، أن من ترك الحج متعمدًا فهو كافر. وأكثر العلماء وعامتهم إلى عدم الكفر, وقد جاء عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى أنه قال: لقد هممت أن أبعث إلى أقوام عندهم الجدة فلم يحجوا أن يضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين, ما هم بمسلمين, وهذا إسناده صحيح عن عمر بن الخطاب، وهو أظهر وأقوى وأعلى النصوص في كفر تارك الحج عمدًا من غير عذر. وتؤول ذلك على أقوال, منهم من قال: إنه قصد بذلك أن هذا أمارة على الجحد, ولما ظهرت الردة ولم يكن ثمة شواهد على بقاء الناس على ما كانوا عليه, ولكن نقول: هذا فيه نظر؛ لأن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى قال: أن يضربوا عليهم الجزية؛ لأن من كان على الإسلام ثم ترك ما تضرب عليه الجزية, لأنه مرتد يؤمر بدخول الإسلام أو القتل. وفي قول عمر بن الخطاب: (يضربوا عليهم الجزية) يعني: أنهم ليسوا على الإسلام من جهة الأصل, لا أنهم دخلوا الإسلام ثم خرجوا منه.