وفي قول الله جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:181] ، ذكر الله سبحانه وتعالى أن التبديل والتحريف قد سمعه الله من صاحبه أول مرة, وعليم بما وقع من تبديل بعد ذلك, فناسب ذكر هذين الاسمين لله سبحانه وتعالى: السمع, والعلم، وذلك أنه ينبغي للإنسان إذا أراد الإنصاف والعدل أن يكون مستحضرًا لعلم الله عز وجل وسمعه, وأن يكون ضابطًا أيضًا في حال سماعه, وكذلك ضابطًا في حال أدائه. وفي قول الله سبحانه وتعالى: فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ [البقرة:181] ، ذكر التبديل؛ لأن الغالب أن الوصية تقع من واحد، والتبديل يقع من جماعة، لأن الإنسان يشهد اثنين فصاعدًا وربما يجتمع ما هو أكثر من ذلك. ولهذا جعل الله عز وجل الموصي واحدًا, والإثم واحد, والذي يقع عليه الإثم جماعة.
الآية الثالثة هي قول الله سبحانه وتعالى: فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:182] ، المراد بالجنف هو: الحيف والميل، ميل الإنسان في الوصية, (أو إثمًا) أي: أن يقع الإنسان في شيء من الحرام وظلم الغير، ومعنى ذلك: أن الله عز وجل حرم الجور في الوصية. ولهذا اتفق العلماء على أن الوصية لا تنفذ في أمرين: الأمر الأول: الوصية للوارث، وهذا محل اتفاق عند العلماء.