وقوله: وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ [البقرة:282] ، هنا نهى الله سبحانه وتعالى أن يمتنع الكاتب إذا طلب في إقامة الحق، وذلك أن الناس كانوا في ابتداء الأمر على أمية لا يقرءون ولا يكتبون، فيطلب الكاتب ويرجى ليدون المداينة التي تكون بين الناس، نهى الله سبحانه وتعالى الكاتب أن يمتنع عن الكتابة إذا طلب، وذلك أن الكتابة علم، وحبس العلم لا يجوز إذا طلب من الإنسان، ولهذا قال: وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ [البقرة:282] ، وقوله هنا: (كما علمه الله) دليل على تحريم أن يدخل الإنسان من المعاني والحروف ما لم يمل عليه صاحب الحق، فإن زاد في ذلك كان غاشًا، فوجب عليه العدالة، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا [البقرة:282] ، الذي يملي الكاتب يكتب ولكنه لا يدري ماذا يكتب الذي يكون بين المتبايعين، فأمر الله سبحانه وتعالى صاحب الحق في ذلك أن يملي على الكاتب.
وهذا يؤخذ منه الحجر على السفيه، وذلك أن الإملاء يكون لحظ الإنسان وقد يكون لحظ غيره، فإذا كان لحظ غيره حرم عليه أن يبخس منه شيئًا، ولهذا قال: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ [البقرة:282] ، هنا نهى الله سبحانه وتعالى أن يزيد ولي السفيه الصغير أو المجنون أو غير ذلك، أن يزيد في حقه فوجب عليه أن يملي على الكاتب ما يكون حظًا للقاصر في ذلك، أو السفيه، وهذا أصلٌ في الحجر على السفيه.