الله جل وعلا يقول هنا: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ [البقرة:30] , عطف الله عز وجل هذه الآية على ما قبلها, وهذا يستفاد منه شيء وهو أنه ينبغي لمن أراد بيان حكم من الأحكام أو مسألة من المسائل أن يبتدئ بالشيء من أوله, فالله عز وجل أراد أن يبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم مكانة الإنسان وقيمته عند الله جل وعلا, فإنه إذا فهم الإنسان مكانته عند الله فهم الأحكام المتوجهة إليه, وأعظم ضلال البشرية هو لجهلهم بقيم الأشياء, فإنهم إذا جهلوا قيم الأشياء ضلوا؛ ولهذا بيع يوسف النبي عليه السلام بثمن بخس, فالجهل به جعلهم يضلون فيه, والله عز وجل أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم وهو بشر، ثم بعد ذلك يأتي من البشر من يسجد لصنم؛ لأنه جهل قيمة الحجر الذي سجد له, وجهل قيمة نفسه عند الله وعند الملائكة، فعجز عن تحقيق المعرفة بالأشياء التي أمر الله عز وجل بالتعامل فيها بمعرفة قيمة الناظر وقيمة المنظور, فإذا أدرك ذلك عرف العدل في نفسه، والعدل مع الله عز وجل؛ لهذا قال الله سبحانه وتعالى في الآيتين قبل هذه الآية: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [البقرة:28] , فبين الله سبحانه وتعالى تقلبات الإنسان بين حياة وموت في الابتداء, ثم بين الله عز وجل أنه خلق له ما في هذه الأرض, هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:29] , أي: خلق الله عز وجل للإنسان كلما في هذه الكون من شمس وقمر وجبال وأشجار, ثم كيف بك تقوم بالسجود لحجر خلقه الله لك, وهذا إذا جهل الإنسان قدره وقدر من يقابله فإن حاله كحال السيد الذي يطيع عبده إذا جهله وظنه سلطانًا, فإذا جهل الإنسان قيم الأشياء ضل؛ ولهذا الله سبحانه وتعالى أراد أن يعرف