فهرس الكتاب

الصفحة 286 من 1575

أما بعد:

فأول آي هذا اليوم هو قول الله جل علا: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [البقرة:180] ، هذه الآية جاءت بعدما بين الله سبحانه وتعالى أحكام القصاص وبين وجوبه, وكذلك عمومه وتساوي الدماء في ذلك على ما تقدم الكلام عليه، وهذا عطف عليه، وذلك أن الله عز وجل وجه الخطاب إلى أهل الإيمان بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى [البقرة:178] ، فلما كانت الآية في سياق الموت بين الله سبحانه وتعالى ما يلحق الموت مما ينبغي للإنسان أن يفعله قبل حضور أجله وهو الوصية، والله سبحانه وتعالى قد بيَّن أمر الوصية مصححًا ما بدلَّه أهل الجاهلية، فإن الوصية معروفة في الجاهلية وقبلها، ولكن طرأ عليها شيء من التعديل والتغيير والتبديل، وكذلك الإلغاء لبعض من يستحق المال، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يعيد الأمور إلى ما كانت عليه، ولما كانت الوصية تتعلق بالأموال دل على أن التغيير فيها ولو بشيء يسير من الظلم، ومعلوم أن أمور الأموال التي تكون بين الناس أمرها عظيم عند الله جل وعلا ولو كان المال يسيرًا، ولهذا عظم الله درهم ودينار الربا، وعظم الله الشبر الذي يقتطع من الأرض؛ لأنها من أموال الناس التي تجب صيانتها، ولما كانت كذلك بين الله عز وجل أمر الوصية؛ حتى يدفع ما كان عليه الجاهليون من تبديل وتحريف فيها، وذلك أن الجاهليين جعلوا الوصية محلًا للإضرار بالورثة أو بغيرهم، فإنهم ربما يوصون للأبعدين ويدعون الأقربين لأجل التفاخر، فيوصون لقبيلة بعيدة، أو يوصون لأحد من غير الورثة ويدعون الورثة؛ يريدون من ذلك المفاخرة، فيتحينون من يمدح ويدعون من لا يحسن المدح ولو كان صاحب حق، فأراد الله جل وعلا أن يبين العدل والإنصاف في ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت