ولهذا نقول: في أصل الإيمان يدل عليه وازع الطبع الفطري، ولهذا جميع أصحاب الفطر في الأرض يؤمنون بوجود خالق، ولكن من كان ثمة حبل من الرحمن ممدود إليه عرف ماهية هذا الخالق، ولهذا يتحيرون، العقل يدل مجردًا على وجود خالق، أين يضع الخالق؟ منهم من يجعله في كوكب، ومنهم من يجعله في حيوان، ومنهم من يجعله في بقر، ومنهم من يجعله في فأر، ومنهم من يجعله في حشرة، ومنهم من يجعله في جن، وغير ذلك. الإيمان بوجود الخالق هذا أمر فطري، ولكن لا يهتدي الإنسان إلى عبوديته ومعرفة صفته واسمه سبحانه وتعالى إلا به جل وعلا، ولهذا نقول: من لم يهتد بالوحي إلى الله لا يمكن أن يصل إلى الله، وإنما يضلون في هذا الباب. وإنما غاية ما يُستدل به وجود الخالق، وأنه مدبر هذا الكون، وهو المتصرف به، والناس يتصارعون في هذا الباب، فيؤمنون بوجود خالق ولكن يضلون في أحوال: يضلون من جهة وجود الوسطاء، ويضلون من جهة تحديد هذا الخالق وكنهه وحقيقته، منهم من يعلقه بالأفلاك كالكنعانيين والبابليين وغيرهم، ومنهم من يعلقونه بزمن ونحو ذلك، وذلك كالمجوس وأضرابهم، ومنهم من يعلقونه بشيء من الأوهام والتخيلات وغير ذلك أنه خيال أو نحو ذلك، ومنهم من يقيده بجن، ومنهم من لا يقيده بجن، وغير ذلك، وهذه كلها يدل عليها إما شيء من انحرافات الجاهلية، أو من عقل الإنسان وتخيلاته المجردة.
قول الله سبحانه وتعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة:239] إشارة إلى أن عبادة الله بغير ما شرع ابتداع، وأنه ينبغي للإنسان أن يعبد الله كما شرع الله جل وعلا لا بمجرد عقله وحسه ونظره أو رأيه وقياسه: كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة:239] فالاجتهاد في أمر العبادات غير جائز، فالأمر في ذلك إلى الدليل، والأصل في ذلك الحظر، بخلاف ما يتعلق بأمور المعاملات فإنها أوسع من غيرها.