ثم في قول الله عز وجل: أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [البقرة:197] ، ما ذكر الله عز وجل الأشهر بأسمائها، وإنما أحال إلى كونها معلومات، وفي هذا إشارة إلى شيء من البلاغة، وهو أن ما كان معلومًا مستقرًا في الأذهان لا تثقل المسامع بذكره، وإنما يحال إليه، فإذا أمن من ذلك اللبس، وكذلك ما استقر عليه الناس قولًا واعتقادًا وعملوا به، ولم يكن في غلبة الظن أن يطرأ عليه لبس، فإن الإنسان يحيل إليه فلا يثقل المسامع بذكره، وهذا من إحكام القرآن وبلاغته، وهذا معلوم حتى في أساليب العرب وطرائقهم، فإنهم لا يذكرون ما كان معلومًا مستقرًا مشتهرًا، فأحال الله عز وجل إلى علم الناس بها. و (معلومات) صفة للأشهر، وأحال إلى هذه الصفة من غير ذكر العدد.
ثم قال الله عز وجل: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ [البقرة:197] الفرض هو الإيجاب، ولكن الإيجاب هنا يكون من الشخص على نفسه، فهو إلزام من الإنسان على نفسه، وهذا الإلزام يكون بالدخول في النسك، وقد جاء تفسير ذلك عن غير واحد من المفسرين، كعبد الله بن مسعود عليه رضوان الله و عبد الله بن عباس، وروي عن مجاهد بن جبر و سعيد بن جبير و قتادة أنهم قالوا إن معنى: (فرض) أي: أحرم أو أهل، وجاء هذا عن جماعة من الفقهاء كسفيان الثوري وغيره. فالمراد بالفرض هنا أن يدخل الإنسان في النسك، فإذا دخل في النسك ليس له أن يختار الرجوع وينقض النسك من تلقاء نفسه، ولهذا نقول: إن ما كان من أعمال البر وأنشأه الإنسان فإنه لا يكون له الحق في نقضه، لقيام قائم الوجوب والإتمام، ولأن الله عز وجل قال في الآية السابقة: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196] يعني: أن الإنسان إذا أنشأ الحج والعمرة ودخل فيهما وجب عليه الإتمام؛ لأن الإتمام هنا لا بد أن يكون بعد بداية، فتقول للإنسان: أتم العمل يعني: أنه قد بدأ به قبل ذلك، فإذا بدأ به فإنه يؤمر بالإتمام بعده.