والمسألة من جهة الأصل خلافية في أصل هذه الألفاظ: لا والله، وبلى والله، هل هي لغو؟ وإذا كانت لغوًا من العلماء من يوجب الكفارة باعتبار أن معنى المؤاخذة هو بالمعنى الضيق، المعنى الأخروي لا المعنى الدنيوي، والصواب في ذلك هو المعنى المتسع، وهو الذي عليه جمهور المفسرين من السلف والخلف.
وفي قول الله سبحانه وتعالى: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [البقرة:225] ، الله سبحانه وتعالى جعل المؤاخذة في ذلك بما كسب القلب ثم تلاه بعد ذلك العمل، ولهذا تقدمت الإشارة أن الأمر الذي ينعقد عليه شيء هو أن يصاحبه أو يسبقه قصد. الأمر الثاني: أن يتلفظ الإنسان مع قصده، لا ينعقد القلب على شيء بدون لفظ فيؤاخذ بذلك، ولا يطلق الإنسان لفظًا من غير انعقاد القلب فيؤاخذ بذلك، وهذا ما بيّن الله سبحانه وتعالى حكمته في عدم مؤاخذة الإنسان بقوله جل وعلا: غَفُورٌ حَلِيمٌ [البقرة:225] ، يعني: غفور على الإنسان فيما يجري عليه، والأصل في ذلك المؤاخذة على الإنسان؛ لأنه يطلق شيئًا لا يدرك معناه، وعلى ما تقدم فإن الله سبحانه وتعالى قد نهى أن يجعل عرضة مما يطلقه الإنسان على لسانه، فيقسم على أدنى شيء من التافه، ويجري على لسانه في كل قيام وقعود وذهاب ومجيء، وعلى الحقير والعظيم وغير ذلك، فهذا نوع من الاستهانة بذلك، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن ذلك فينبغي للإنسان أن يحتاط، ولكن ما يجري على ألسنة الناس من غير قصد مع عدم تعمدٍ فهذا مما لا يؤاخذ الله عز وجل به عباده، وإذا قلنا بمؤاخذة الإنسان باللغو وأن المؤاخذة على هذا المعنى، فبهذا نختصر كثيرًا من المسائل عند العلماء في مسألة الكفارة، ويستثنى من ذلك ما يتعلق بمسألتين: المسألة الأولى: اليمين الغموس وهو الأمر الماضي. المسألة الثانية: الإقسام على شيء حرام، أن يشرب