وكذلك من المسائل في هذا: مسألة الموازنة، وهذا ظاهر في قول الله جل وعلا: قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا [البقرة:219] ، يعني: أن الإثم في هذين الأمرين، وهما الخمر والميسر أكبر من نفعهما، يعني: أن النفع موجود، ولكن الضرر في ذلك والإثم الذي يلحق الإنسان في ذلك عظيم، وهنا استعمل في مسألة النفع لفظ: (النفع) ، وأما بجهة الضر ما أتى بالضر في ذلك، وإنما جاء بالتأثيم؛ إشارة إلى معنى أن النفع في ذلك إنما هو نفع مادي محض، وأما ما حرم لأجله فعلل غيبية ربما لا يدرك كثيرًا منها الناس، ولهذا الله عز وجل إنما نهى عن الخمر والميسر، فأقر بوجود النفع الدنيوي، وبيّن أن ثمة حكمًا شرعيًا حرمه الله عز وجل، منه ما يغيب عن الإنسان وهو الأغلب، ومنه ما يظهر للناس، ولهذا استعمل ما كان من مقاصد التحريم الإثم في ذلك: قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [البقرة:219] ، والمنافع المقصود بذلك هي الدنيوية، ولهذا نقول: إن العلل التي تحل لها أحكام الشريعة القطعية الثابتة في التحريم إنما هي علل قاصرة ينبغي للإنسان أن يكل الأمر إلى الله سبحانه وتعالى، وهو ما يتعلق بجانب التأثيم، كذلك فيه إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان عند بيان أحكام الله عز وجل أن يظهر جانب الترهيب والوعظ والتخويف من عقاب الله سبحانه وتعالى، وألا يغلب على الإنسان الأسلوب المادي المصلحي النفعي الدنيوي، مما يتعلق بتحريم الربا، ثم يتسلسل في مضار الناس في الاقتصاد، ومضار الناس في هضم المال، ثم يغيب جانب عقوبة الله سبحانه وتعالى في ذلك، ولهذا الله سبحانه وتعالى حينما حرم الخمر ذكر الإثم المتعلق به سبحانه وتعالى في مؤاخذته لعباده، وأما المنافع فهي معجلة في أمر الدنيا، وهذا هو الأسلوب الشرعي في ذلك بخلاف ما يجري عليه بعض الدعاة والمثقفين والكتاب والمفكرين الذين يسلكون