وفي قوله سبحانه وتعالى: يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [البقرة:230] ، على ما تقدم أن أمثال هذه المسائل هي حدود الله جل وعلا وفي مسائل الطلاق والرجعة والعدد وما يتعلق بصفة التحليل ونكاح المحلل وتحريمه، هي حدود من الله سبحانه وتعالى، وهذه الحدود منها ما جعله الله عز وجل مشتركًا بين الزوجين، ومنها ما جعله الله جل وعلا خاصًا بالزوج، ومنه ما جعله الله عز وجل خاصًا بالزوجة، وجعل الله جل وعلا في ذلك الزوجين يقومان على هذه الحدود، وهما مسئولان عنها، وإنما نسبها الله جل وعلا إليه بقوله: حُدُودَ اللَّهِ [البقرة:230] ، يعني: أن هذه ليست لذوق الإنسان ولا لحسه ولا لنظره ولا لهواه، وإنما هي حكم من الله سبحانه وتعالى ليس للإنسان أن يتجاوزها أو يتهاون بها، وكذلك نسبتها لله تعظيم لها وترهيب من تجاوزها، لكون ذلك من الحقوق على ما تقدم في قول الله جل وعلا: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:229] ، يعني: الذين يتجاوزون في أمثال هذه الأمور يظلم بعضهم بعضًا، وفي تجاوزهم في حق الله جل وعلا يظلمون أنفسهم بذلك، ومعلوم أن الظلم في لغة العرب هو وضع الشيء في غير موضعه.
وقوله سبحانه وتعالى: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [البقرة:230] ، هذه الأحكام فيها من دقائق المسائل ولطيف الحكم ما يند عن علم الجاهل وبصيرته، وربما لا يدركه الإنسان لأول وهلة، ولا يتأمل فيه إلا العالم البصير، فالله سبحانه وتعالى ما شرع أمثال هذه الشرائع إلا لما فيها من صلاح البشر، وصلاح الزوجين على سبيل الخصوص، وفي هذا أن الجاهل لا يظهر له من حكمة الله وتشريعه ما يظهر للعالم، فربما استنكر، وربما استغرب، وربما شكك، وربما أعرض إن كان فاسقًا وظالمًا لنفسه عن حكم الله سبحانه وتعالى أو طعن فيه لمجرد هواه.