والقول الثالث: وهو المشهور عن الإمام مالك وهو مذهب المالكيين: يقولون بالتفريق بين المرأة الرفيعة الشريفة، التي غالب الحال أن مثلها لا يرضع وإنما تسترضع خادمةً أو أجيرة، قالوا: حينئذٍ لا يجب عليها، وأما من كان دونها فإنه يجب عليها ذلك، وهذا هو المشهور عن الإمام مالك رحمه الله وهو مذهب المالكية. وثمة مسألة هي محل اتفاق عند العلماء، وهي أن المولود إذا امتنع من الرضاع إلا من أمه تعين عليها، ولا خلاف عند العلماء في ذلك، وتُلزم بإرضاع ولدها، وهذا لا ينبغي أن يكون فيه خلاف، لأن الولد إذا لم يقبل إلا من امرأة أجنبية عنه وجب عليها وتعين، فمن باب أولى إذا كانت المرأة المرضعة أمه، فيجب عليها من باب أولى؛ لاجتماع الأمرين: لامتناع الرضاع إلا منها، وحق الولادة في ذلك فإنه واجب عينًا. وهذه المسألة يذكرها الفقهاء على بيان التقييد في ذلك.
وقول الله سبحانه وتعالى: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ [البقرة:233] ذكر الله سبحانه وتعالى أجل الرضاع ومدته، وهل هذا عام في كل رضاع وفي كل حال؟ من العلماء من حمل هذا على كل حال، وهذا قول عامة العلماء: على أن كل مولود عليه أن يرضع حولين كاملين، هذا هو أقصى مدة الرضاع. ومن العلماء من قال: إن هذا محمول على من كان أجل ولادته ستة أشهر، فمكث في بطن أمه ستة أشهر، قالوا: فما زاد من ذلك من حمل أمه به فينقص من أجل الرضاع، فيحملون ذلك بمن كان مكثه في بطن أمه على ستة أشهر، وجاء ذلك عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله، كما رواه ابن جرير الطبري وغيره، وعامة المفسرين على خلاف ذلك.