ويذكر الله عز وجل العهد والميثاق بشيء مما يفهم منه صيغة العقود بين طرفين, فتارة يكون ذلك بالشراء, وتارة بالعهد, وتارة بالميثاق, وهذه من جهة اللفظ متباينة, ومن جهة الغاية واحدة, وهي أنه ثمة طرفان: الخالق, والمخلوق, والله سبحانه وتعالى لا يلزمه أحد من خلقه بشيء, وإنما الله عز وجل هو الذي يلزم نفسه ويحرم على نفسه ما شاء, وهذا الذي عليه قول عامة أهل السنة, وذهب بعضهم إلى أن العباد يأخذون على ربهم جل وعلا ميثاقًا, فيرضاه الله سبحانه وتعالى, وقد نص على هذا بعض العلماء كابن حبان رحمه الله في كتابه الصحيح, ولكن من نظر إلى بعض الآي في كلام الله عز وجل يجد أن الله عز وجل قد أخذ ذلك على نفسه، وسماه تجوزًا بالعهد فنسبه إليهم, وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة:40] , فجعل عهد العباد الذي على الله سبحانه وتعالى هو أن يجازيهم على ما بذلوا إليه من وفاء عهده, وذلك بطاعته جل وعلا بسائر أنواع الطاعات كما سيأتي الإشارة إليه. وأما ما جاء من عبارات أخرى من الميثاق، فإن الميثاق لا يكون إلا بقبول, فإن الإنسان يعرض على غيره شيئًا ثم يأتي القبول, فإذا جاء القبول سماه الله عز وجل ميثاقًا, وهذا هو الذي أخذه الله عز وجل على بني آدم حينما أخرج من آدم ذريته, وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف:172] , فهذا هو الميثاق.