وفي هذا إشارة إلى معنى لطيف وهو أن الإنسان إذا أراد أن يبين حقائق أو معان أن يرجعها إلى أصولها فيبين نشأتها وتسلسلها في ذلك حتى يصل إلى المقصود من هذا، وهذا في بيان الحجج والبينات وقطع شبه أهل الشبه هو من حجج وأساليب القرآن، وقيل: إن امرأة عمران اسمها حنة كما جاء عند ابن جرير الطبري من حديث القاسم بن أبي بزة عن عكرمة أنه قال: هي حنة بنت فاقوذ بن قتيل، وأنجبت مريم، و مريم أنجبت عيسى، فعيسى بن مريم و مريم هي ابنة عمران وأمها حنة، سألت الله سبحانه وتعالى أن يرزقها ذرية، وذلك أنها نظرت إلى من حولها أنهم يستمتعون بأولادهم، وما آتاهم الله عز وجل من رزق في ذلك من أبناء وبنين، سألت الله سبحانه وتعالى أن يرزقها ذلك بنذر، فقالت: إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي [آل عمران:35] ، سألت الله سبحانه وتعالى لشكر المنعم جل وعلا، هل هذا السؤال كان قبل حملها أم كان ذلك بعد حملها؟ كلام المفسرين في هذا محتمل للأمرين.
وهذا فيه دليل على جواز النذر، وهل النذر هنا قبل نشوء الأسباب أم بعدها؟ إذا قلنا: إنه بعد نشوء الأسباب لا يدخل في نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر قال: (إنه يستخرج به من البخيل) ، ولكن نقول في هذا المعنى إذا قلنا: إنه بعد نشوء الأسباب وتهيئها الشكر للمنعم سبحانه وتعالى على نعمائه أنها نذرت أن تجعل ما في بطنها محررًا، يعني: متفرغًا للعبادة، وذلك في دورها كما يأتي الكلام عليه. وعلى المعنى الثاني: أنها نذرت قبل أن تحمل، فنذرت لله عز وجل أن الله عز وجل إذا رزقها ولدًا، فإذا ذكرها الله عز وجل ابنًا ستجعله متفرغًا للعبادة، نقول: أن شريعتنا جاءت بالنهي عن النذر، وشريعتهم جاءت بجعل ذلك الأصل فيه الإباحة.