فهرس الكتاب

الصفحة 1044 من 1575

الأمر الثاني: أن هذا أعظم لنفس الفقير والمحتاج, فإن الإنسان حينما ينفق, يقول: هذه نفقتي لآل فلان الفقراء, أو نفقتي من في بلدة كذا, أو غير ذلك, وربما يكون فيها كسر لأنفسهم, والنفوس لا تحب الاتكال والاعتماد على غيرها. ولهذا نقول: إنما جاء هذا الأمر بالإسرار في النافلة, تحقيقًا لمصلحة الإنسان في ذاته, وتحقيقًا لمصلحة غيره. وقوله سبحانه وتعالى: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:271] , يعني: أن المسألة فاضل ومفضول، وكلها مرجعها في ذلك إلى الفضل, وأما بالنسبة للتفاضل في هذا فهو على ما تقدم.

وذكر الفقراء هنا باعتبار الأغلب من أحوال الناس, أن الإنسان لا ينفق إلا على فقير. وهل النفقة على الأغنياء مما يجوز أم لا؟ يأتي الكلام على هذا في مسألة الصدقة, أما الزكاة فلا يجوز باتفاق العلماء, إلا ما يتعلق في بعض الصور, مما يأتي في ابن السبيل, أو من كان في سبيل الله أو غير ذلك, وهذه لها مباحثها, وسيأتي الكلام عليها بإذن الله عز وجل, أما الصدقة لغني مكتف وليس ثمة سبب يوجب إعطاء الصدقة, فهل يجوز ذلك ويصح أم لا؟ يأتي الكلام عليه بإذن الله تعالى. وفي قول الله جل وعلا: فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:271] , على ما تقدم في التفاضل في هذا الباب لا أصل القبول.

وقول الله جل وعلا: وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ [البقرة:271] , في هذا إشارة إلى أن تكفير الطاعات للسيئات بحسب أثر الباطن لا بحسب أثر الظاهر, ولهذا لما كانت الصدقة الظاهرة تختلف أثرًا في قلب الإنسان من جهة الريا والإخلاص عن الصدقة في السر, اختلف أثرها في تكفير الذنب, والصدقة التي يصاحبها الإخلاص أعظم, تأتي على السيئات الأكبر, والصدقة التي يصاحبها رياء أو سمعة أو غير ذلك فشابتها شائبة لا تأتي على السيئات كما يأتي على ما دونه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت