فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 1575

كذلك أيضًا جعل الله جل وعلا البيت الحرام بيتًا مع أن الناس لا يبيتون في داخله, ولا يبيتون في جوفه رأيًا, ولكن لما كانت هيئته على هيئة البيوت المعروفة سماه الله جل وعلا بيتًا, فكان استحقاقه لهذا الاسم أولى من استحقاق غيره, بل أصبح علمًا عليه, وما زال الفقهاء يستعملون ذلك في مصنفاتهم, فيقولون: استقبال البيت, والطواف بالبيت ونحو ذلك, يريدون بذلك الكعبة.

وقوله جل وعلا: مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا [البقرة:125] , الله جل وعلا جعل البيت مثابة للناس وأمنا, تكلمنا على معنى مثابة, وأما الأمن فالمراد بذلك ضد الخوف كما هو ظاهر, وهل المراد هنا بالجعل القدري أم الشرعي؟ يظهر والله أعلم أن الله جل وعلا جعل البيت مثابة للناس وأمنا قدرًا وشرعًا. والجعل يأتي بمعنى القدر، ويأتي بمعنى الشرع, ولهذا نقول: إن المعنى في هذه الآية: مَثَابَةً لِلنَّاسِ [البقرة:125] , أي: جعل الله جل وعلا الناس تأوي إلى المسجد الحرام حتى في الجاهلية, وذلك حتى يعظم, فيعظم حتى عند الجاهليين فيلجأ إليه من أصاب دمًا فجعل الله جل وعلا ذلك حتى عند الجاهليين، لتبقى حرمة هذا البيت. كذلك الجعل الشرعي, فجعل الله سبحانه وتعالى البيت مثابة للناس, أي: يأتون إليه, فجعل الصلاة فيه مضاعفة أعظم من غيره, وجعل الله جل وعلا فيه الطواف معظمًا ولا يكون إلا فيه, وجعل الله سبحانه وتعالى الاعتكاف فيه يختلف عن الاعتكاف في غيره, وجعل شد الرحال إليه يختلف عن شد الرحال إلى غيره, فلا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد, وهذا من المثابة التي جعلها الله سبحانه وتعالى لهذا المسجد, وهي مثابة شرعية, وهذا من المثابة غير المحدودة بزمن, وأما ما كانت محدودة بزمن مما شرعه الله جل وعلا من أشهر الحج, وإقامة شعائر الله سبحانه وتعالى فيها, فهذه من المثابة التي جعلها الله جل وعلا شرعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت