حيث إن آي الأحكام ترجع إلى اجتهاد الإنسان, الحقيقة في ذاتها في العقل والنقل واحدة, ولكن الإنسان يجتهد فيها فإن أصابها فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد؛ كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين, قال: (إذا اجتهد الحاكم وأصاب فله أجران, وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد) , والمعتزلة يقولون: إن الحقيقة تتعدد, والصواب في ذلك أن الحقيقة واحدة, وكون الإنسان يؤجر على خطأ بعد اجتهاده لا يعني ذلك أن الحقيقة تتعدد, وإنما يضعف الإنسان في إدراك الحقيقة لأسباب, من أظهر هذه الأسباب: أولًا: ضعف علمه, وضعف العلم هو قريب من ضعف النظر, فحال الإنسان حينما ينظر إلى شيء أمامه فإنه يدرك شيئًا سرابًا, والحقيقة في ذاتها إذا جاءها واحدة, فإذا نظر هل هو شجر أو حجر أو مدر أو نحو ذلك فهي في ذاتها واحدة, ولكنها أصبحت لديه عامة, يخمن هذا ويأخذه بالظن, وإذا قرب منها اتضح؛ كذلك نظر الناس في الحقائق منهم من يتجلى له النظر لحدة علمه وإدراكه, ومنهم من لا يتجلى له؛ ولهذا يقول الله جل وعلا في وصف أقسام القرآن: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران:7] , وهي أصل الكتاب؛ لأن هذا مقتضى الإحكام, وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:7] , هي متشابهات في نظر العالم وأما في حقيقتها فهي بينة, ومن ذلك ما جاء في حديث النعمان بن بشير كما في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الحلال بين, والحرام بين, وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس) , وما بين الشيئين يترك في الغالب لأن قصده قليل, فيقال: ما بين مكة والمدينة, ويقصد به ما يكون في مكة والمدينة من أناس يعيشون فيهما، أما الأماكن التي بينهما فلا تقصد, وإنما تكون بعبور, فالحاجة إليها يسيرة, لهذا ما كان بين الحلال البين والحرام البين في الغالب أنه من الفروع الدقيقة, والأصول الكلية