قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30] , وهذا فيه إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان إذا علم علمًا لا يدركه المتعلم أن يحبسه عنه؛ لضعف في إدراكه أو ربما لردة فعل منه ونحو ذلك؛ ولهذا الله عز وجل حبس تمام العلة من الإيجاد عن الملائكة وأحال ذلك إلى علم لديه خاص في قوله: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30] , يعني: لا تدركون العلة حتى لو أخبرتكم إياها؛ لأن الله سبحانه وتعالى يعلم ما لا تدركونه, ولهذا إنما منع الله سبحانه وتعالى الملائكة من تمام الحكمة من إيجاد هؤلاء الخلائف في الأرض؛ لأنهم لا يدركونها بتمامها, ولو أدركوها بتمامها كما أراداها الخالق لما كان ثمة فرق بين خالق ومخلوق من جهة العلم, ولهذا فالله سبحانه وتعالى له علم لا يدركه المخلوق، ولو أراد أن يدركه ما استطاع ذلك, ولهذا يحجب الله عز وجل عن البشر كثيرًا من الحكم والعلل؛ لأنهم لا يدركونها, ولو ذكرت في كلام الله لتحيروا؛ لأنها لا تدرك على الحقيقة إلا بسبر تام, وإذا كان عقل الإنسان يضعف وأيضًا بصره وسمعه, لا يستطيع الإنسان أن يسمع كل الأصوات, ولا أن يبصر كل المرئيات ولهذا موسى عليه السلام لما قال لربه: أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف:143] , فتجلى الله عز وجل للجبل فجعله دكًا, وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا [الأعراف:143] ,, هذا المراد به أن الله سبحانه وتعالى حجب رؤيته عن موسى؛ لأنه لا يدرك الرؤية بخلقته التي خلقه الله عز وجل عليها, ولهذا الإنسان لا يدرك كثيرًا من الأحكام, فكان من الحكمة العظيمة ألا تذكر, ولو ذكرت لأصيب الإنسان بالتحير وضاع فيها كما يضيع الإناء إذا أفيض عليه البحر العظيم.