فمجرد السؤال يستحق العطاء, وإذا كان يظهر منه الفقر فيعطيه ولا يسأله ولا ينبهه, أما إذا كان يظهر من حاله الغنى فيعطيه وينبهه أنها لا تحل له وهو خصيم نفسه ويحاسب على ذلك؛ لأن من الناس من يحتاج المال لا لفقره, بل ربما يؤتى لغرم أو لأنه ابن سبيل وهو غني في بلده مقتدر, فيظهر من ملبسه أو مركبه إذا انقطع به السبيل, فيعطى من المال وينبه على هذا الأمر, كما نبه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل.
وهذا في مسألة الزكاة, أما الصدقة فهل يعطى الغني من الصدقة أم لا؟ وهل يجوز له أخذها؟ قد ذكر بعض العلماء الاتفاق على أن الغني لا حرج من أخذه الصدقة, إلا أن الأفضل أن تكون للفقير, وأن الصدقة تختلف في يسرها عن الزكاة, وقد حكى النووي رحمه الله إجماع العلماء, على أن دفع الزكاة إلى الغني وأخذه لها أن هذا ليس بحرام, والأولى أن يدفعها للفقير. أما الزكاة فتحرم عليه.
والصدقة من جهة فضلها لها وجوه تفضل بها. الوجه الأول: الكثرة والقلة, فالعشرة أعظم عند الله عز وجل من الواحد والاثنين من الدينار والدينارين وغير ذلك. الوجه الثاني: النفاسة, ولو قل العدد؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام (سئل عن أي الرقاب أفضل؟ قال: أنفسها عند أهلها) , فإذا كان المال نفيسًا عندك فأخرجته فإنه أعظم عند الله سبحانه وتعالى, فإذا كان لديك رقبة, أو لديك مال أنفس من مالك, فلو أخرجته ولو كان العدد قليلًا, فالرقبة النفيسة عندك ولو واحدة, أعظم من رقبتين تزهد بهما؛ ولهذا نقول: إن النفاسة أيضًا وجه من وجوه التفضيل. الوجه الثالث: تعظم الصدقة بأثرها, فالصدقة بدينار لإنقاذ نفس تختلف عن الصدقة بدينار لعلاج مريض, والصدقة بدينار لدفع عن عرض تختلف عن الصدقة بدينار لإطعام وغير ذلك, وهي تتباين بأثرها.