الله سبحانه وتعالى قص هذه القصة لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته، والمقصود من ذلك الاعتبار لما تتضمن فيه جملة من المسائل ويأتي الإشارة إليها.
وفي قول الله سبحانه وتعالى: أَلَمْ تَرَ [البقرة:246] يعني: يا محمد، إلى هذه الحكاية وحال ذلك النبي من بني إسرائيل، وهذا النبي جاء في بعض الإسرائيليات تسميته ومنها ما يصح إلى قائله، ومنها ما لا يصح إلى قائله، منهم من يقول: إن اسمه شمويل بن بالي بن علقمة، وهذا جاء عن بعض المفسرين ممن يهتم بجانب الإسرائيليات، كوهب بن منبه، ومنهم من قال: إنه شمعون، ومنهم من قال: إنه يوشع بن نون، وهذا قول قتادة وغيره من المفسرين، وهذه من جهة الأصل لا دليل عليها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هي من أقوال بعض المفسرين من السلف، ومردها والله أعلم إلى بعض الإسرائيليات.
وإنما ذكر أيضًا في قوله هنا: مِنْ بَعْدِ مُوسَى [البقرة:246] إشارة إلى أن ما وقع من ذلك إنما هو في شرعة موسى كذلك، وهذا يتضمن أن الجهاد في سبيل الله هو في شرعة موسى كما هو في شرعة الأنبياء من بعده؛ لأن الأنبياء يجددون من اندثر من تلك الشريعة، والأدلة على ذلك في كلام الله عز وجل وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن شرعة الجهاد شرعه الله سبحانه وتعالى لكثير من الأنبياء، ومنها هذه الآية. إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم خصه الله عز وجل ببعض الخصائص في مسائل الجهاد كمسألة الغنائم، فإن الله عز وجل أحلها لنبيه عليه الصلاة والسلام ولم يحلها لمن قبله من الأنبياء الذين يقاتلون في سبيل الله. ومن العلماء من يقول: إن القتال على نوعين: هو قتال طلب ودفع، والذي شرع على الأمم السابقة هو قتال الدفع لا قتال الطلب، وأما الطلب فهو خاص بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي هذا أيضًا نظر.