فهرس الكتاب

الصفحة 1235 من 1575

وإنما يحلف بما يعتقده من الأمور المعظمة المشروعة عندنا, كأن يقال: والذي أنزل التوراة, أو الذي أنزل الإنجيل وهكذا من الأيمان, وقد حلَّف النبي صلى الله عليه وسلم يهوديًا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (احلف وقل: والذي أنزل التوراة على موسى) , وهذا جاء في السنن. ولهذا نقول: إنه يحلف, ومن الأيمان التي يحلفون بها كأن يقول: والذي خلق السماء, وبسط الأرض, ونصب الجبال، وخلق كذا وكذا, فهذا من الأيمان المشروعة, وإن اعتقد في باطنه خلاف ذلك, فنحن موكولون ومحكومون إلى الظاهر.

ويمين الكافر في نفسه هل تنعقد ويجب عليه في ذلك الكفارة أم لا؟ اختلف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في يمين الكافر على قولين: ذهب جمهور العلماء إلى أنها تنعقد, سواء كان الحنث في زمن كفره أو في زمن إسلامه, فإذا حلف أني لأفعلن كذا وكذا, فلم يفعل هذا الشيء في زمن الكفر أو زمن الإسلام. نقول: ما دام أن اليمين وقعت منه معتقدًا لها بتعظيمها فالكفارة عليه واجبة وهو موكول إلى الوفاء بها, والدليل على ذلك أن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام, -يعني: في الجاهلية- فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: أوف بنذرك) . وهذا نذر منه كان في الجاهلية، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يفي به. وعلى هذا نقول: إن يمين الكافر يجب الوفاء بها, فإذا نذر في زمن كفره ثم دخل الإسلام يجب أن يفي, وإذا لم يف كفر عن يمينه كأنه حلف في زمن الإسلام, وهذا هو القول الذي ذهب إليه جمهور العلماء خلافًا لأبي حنيفة, فإن أبا حنيفة يرى عدم انعقاد يمين الكافر, وأنها لغو سواء دخل في الإسلام أو لم يدخل في الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت