وفي قول الله جل وعلا: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:217] ، الفتنة المراد بها الكفر بالله عز وجل، وهذا بالاتفاق ولا خلاف عند أهل العلم في ذلك، والمراد بالافتتان هو الاضطراب، والاختلال الذي يطرأ على الإنسان، ولهذا النار تفتن الطعام وتفتن الحديد وتفتن الذهب وغير ذلك، وذلك أنها تغيره عن حاله، فكل شيء غير الإنسان عن حاله فهو في اللغة فتنة، ولهذا يسمى القتل فتنة، والزنا فتنة، والسرقة فتنة؛ لأنه في ذاته تغيير عن حقيقته، معنى حقيقته الأولى أن الإنسان لا يكون زان فزنى، ألا يكون قاتلًا فقتل، فهذا فتنة، وأعظم الفتن هو فتنة العلم، أن يختل علم الإنسان بحقائق الأشياء فيصدر بتشريع يخالف مراد الله سبحانه وتعالى، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث أبي هريرة وغيره، قال: (لا تقوم الساعة حتى تكثر الفتن ويظهر الجهل) ؛ لأن الفتنة توجد مع وجود الجهل، فإذا جهل الإنسان حقائق الأشياء وقعت حينئذٍ الفتنة، أو جهل مراتبها وقعت حينئذٍ الفتنة، ولهذا في قول الله جل وعلا: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:217] ، يعني: أنكم تفاوضون وتناقشون على قتال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لكم في شهر حرام، وتنسون أنكم كفار بالله سبحانه وتعالى، والكفر هو الذي أباح هذا الأمر. إذًا: هم نظروا إلى مسألة أخرى متباين، ولهذا الذي ينظر إلى قتال المشركين ويقوم بالاستدلال بمسألة إراقة الدماء وعدم الرحمة وغير ذلك، وينسى أن موجب ذلك هو الكفر بالله عز وجل، هذا لديه من أنواع الاختلال ما وقع فيه كفار قريش.