قال: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [النساء:29] ، ذكر الله سبحانه وتعالى القتل بعدما ذكر الأموال؛ إشارة إلى أنه من أعظم ما يفسد ذات البين، ومن أسباب القتل هو الخلاف في الأموال، فإذا تنافس الناس في الأموال اقتتلوا عليها طمعًا وجشعًا وشحًا وحبًا للأثرة، فذكر الله سبحانه وتعالى أمر الأموال، والسبيل الموصلة إلى أخذها عن تراض, ثم ذكر الله سبحانه وتعالى النهي عن القتل، وهل النهي في ذلك عام أن الإنسان لا يجوز له أن يعتدي على غيره إذا أخذ مالًا؟ نقول: إن أخذ المال لا يخلو من حالين: الحالة الأولى: ما يؤخذ من المال صولًا وغصبًا، فهذا يدفع الإنسان عنه، وإن مات دونه فهو شهيد، وقد جاء ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل دون ماله فهو شهيد) ، وجاء ذلك أيضًا من حديث سعيد بن زيد في المسند والسنن، وجاء ذلك أيضًا في حديث قابوس بن أبي المخارق، لما قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (الرجل يأتيني يريد مالي، قال: لا تعطه مالك، قال: فإن غلبني؟ قال: فاستنصر بالسلطان، قال: فإن نأى السلطان عني؟ قال: بمن حولك من المسلمين، قال: فإن لم يكن حولي أحد من المسلمين؟ قال: قاتل دون مالك حتى تدفع عن مالك أو تكون من شهداء الآخرة) ، يعني: أن الإنسان يدفع عن ماله ولو كان قليلًا، فهل يعني هذا أن المال وعصمة المال مقدمة على النفس أم لا؟ نقول: إن النفس في ذاتها هي أزكى من المال، وإنما جاءت الشريعة بدفع الصائل عقوبة له لتحفظ المال وتحفظ الأنفس، ولو كان من سطي أو صيل على ماله وجب عليه أن يعطي ماله لكان في ذلك فساد عريض، وهذا من ضبط الحكم العام لا من ضبط الأمر الخاص، والشريعة تفرق بين ما كان ضبطًا عامًا وبين ما كان ضبطًا خاصًا، فتغلب الضبط العام ولو طرأت