مفسدة عارضة. وقد يقول قائل: فكيف أقتل على دينار أو درهم أو غير ذلك، والشريعة تجيز للإنسان أن يدفع عن ماله؟ فنقول: إن الشريعة أجازت الدفع ولم توجبه، وإجازة الدفع في ذلك حق للإنسان، ولو أراد أن يدفع المال لجاز له ذلك ولم يكن آثمًا. والشرائع في مسائل الضبط لا يؤخذ منها اختلال الأصول، فإن العرض مقدم على النفس ومقدم على المال، ولكنه إذا تعلق بضبط أمر عام قدم النفس على العرض، وقدم المال على الدم، فكيف يقدم المال هنا فيجوز لي أن أقتل مسلمًا أراد مني دينارًا أو درهمًا؟ أجاز لك الشارع إذا صال عليك ولم تستطع دفع صولته إلا بقتله، هل يجوز شرعًا أو لا يجوز؟ يجوز شرعًا، فكيف يجيز لك الشارع أن تقتله لدينار أو درهم، هل هو للحق الخاص، أم لضبط الأمر العام؟ لضبط الأمر العام، وأما إذا لم يكن في الأرض إلا درهمك ودينارك وسطا عليه أحد، فإن الشريعة لا تجيز لك قتله. نظير هذا حتى تتضح الصورة، الرجل إذا وجد مع امرأته رجلًا ثم قتله، هل يقاد به أو لا يقاد؟ يقاد به، لماذا يقاد به, للأمر الخاص أو للأمر العام؟ للأمر العام لا للأمر الخاص. وقد يقول قائل: كيف يكون العرض بهذا الرخص، ثم أقتل وأدافع عن عرضي؟ هذا ليس اختلالًا بالأصل وإنما ضبطًا للأمر العام. وكيف يضبط الأمر العام؟ لو أجاز الشارع لكل صاحب دعوى أن يدعي أنه وجد رجلًا في بيته مع امرأته أن يقتله لكثر القتل في الناس، ومن كان بينه وبين أحد خصومة أخذه ووضعه في غرفة نومه ثم قتله، وقال: وجدته عند امرأتي وأصبحت هذه تصفية للحقوق، وتصبح الدماء هدرًا، كم سيفتح هذا الباب من المفاسد.