وقوله جل وعلا: لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186] , المراد بالرشاد هو الهداية, وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان كلما استكثر من العبادة وُفِّق إلى التسديد والهداية، فالعبادة تجر عبادة أخرى, والإنسان كلما استكثر عبادة استكثر من الصواب في القول والعمل, ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في البخاري من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: (قال الله جل وعلا: ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه, فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به) , وهذا هو الرشاد والتسديد, (وبصره الذي يبصر به, ويده التي يبطش بها, ورجله التي يمشي بها, ولئن سألني لأعطينه) , ذكر هنا إجابة الدعاء, وهي مقترنة بهذا, فكلما كان الإنسان أكثر تعبدًا كان أقرب إجابة, ولهذا الله عز وجل قطع حبل الإجابة بينه وبين المشركين إلا في أبواب ضيقة كحال ركوبهم في الفلك حينما يدعون الله مخلصين له الدين يجيبهم جل وعلا في مثل هذه الأحوال, وإلا ما عدا ذلك فإن الأبواب منقطعة بينهم وبين ربهم, فالله عز وجل يجري عليهم العقاب والحساب، ولا يجري عليهم الثواب, وذلك لأنهم كفروا بالله سبحانه وتعالى. ويؤيد هذا أيضًا ما جاء في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من لم يسأل الله يغضب عليه) , أي: كلما أكثر الإنسان من التعبد لله سبحانه وتعالى تعبدًا مجردًا من غير سؤال فإن هذا نقص في العبودية, وإذا أكثر الإنسان سؤال الله عز وجل ولو شيئًا قليلًا فيه إظهار الافتقار من الإنسان لربه سبحانه وتعالى, فأنت حينما تعتمد على غيرك بما قل أو كثر ففيه إشارة إلى اعتمادك عليه؛ وأن لا غنى لك عنه؛ كحال الإنسان المقعد فإنه يعتمد على غيره في الشراب والإيواء والطعام والذهاب والمجيء وقضاء الحاجة, فهو في كل شيء يسأل.