الصورة الثانية: أن يقول: هذه السلعة قيمتها كذا إن أردتها, وإن أردتها بالآجل فقيمتها كذا، فاتفقا على آجل أو عاجل وقبض العاجل أو أجله إلى أمد معلوم، فيقال: هذا التورق عند العلماء, والخلاف فيه معروف. أهل الجاهلية يبيعون سلعة إلى أجل بزيادة, فإذا كان ذلك الأجل ولم يكن لدى المشتري سدادًا لقيمتها، قال: أمهلك حولًا ثم أزيد في المال, فهذا محرم لسببين: السبب الأول: أن البائع قد باع السلعة مرة أخرى وهو لا يملكها, فقد باعها للمشتري وقبضها المشتري, فبقي له عند المشتري قيمة, فإذا قال: أمهلك مرة أخرى أو أبيعك إياها مرة أخرى إلى أجل بكذا, فهو قد باع ما لا يملك فحرمت من هذا الوجه, وحرم كذلك الزيادة لأجل الأجل. السبب الثاني: أنه جعل المال الذي في ذمة ذلك المشتري يزيد بالتأجيل, وذلك أن الإنسان إذا باع سلعة بمائة دينار ثم جاء الحول ولم يكن لدى المشتري قدرة على دفع المائة دينار, فيقول حينئذٍ: أزيدك حولًا أو شهرًا وتزيدني عشرة دنانير, هذا العقد الجديد إما يكون على المال وإما أن يكون على السلعة, فإذا كان على السلعة فقد باع ما لا يملك على ما تقدم الكلام عليه؛ لأنها خرجت من ملكه إلى ملك المشتري. وإذا نزلت على المال فكأنه أعطاه مالًا بمال, فأعطاه مائة دينار ناجزة بمائة وعشرة آجلة, وهذا من الربا, وهو ما كان يسلكه أهل الجاهلية على اختلاف في طرائقهم, وكذلك مقدار الزيادة في ذلك, وهذا فيه إضرار بالفقير والمحتاج, وذلك لعجزه يؤجل ويزيد عليه فيتراكم عليه أضعافًا مضاعفة.
وهل نأخذ من هذه الآية أن الربا من جهة تحريمه يتفاوت؟ نقول: نعم, يتفاوت من جهة تحريمه, وإن كان أدناه مغلظًا وكبيرة من كبائر الذنوب؛ ولأن الله عز وجل قال: أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران:130] , فكلما زاد الضعف زاد في ذلك الإثم, وبمقدار الزيادة فإنه يكون أكلًا لأموال الفقراء والمحتاجين بالباطل.