وهذه الصورة من الربا المحرم الذي لا خلاف فيه. فالله سبحانه وتعالى حينما ذكر الأضعاف المضاعفة لا يعني جواز أن يأكل الإنسان الربا إذا كان دون الضعف، كأن يأخذ على قرضه الربع أو العشر أو الثلث أو النصف أو غير ذلك, فإن هذا ليس بمرابٍ باتفاق العلماء, وإنما هي حكاية حال لحال الجاهلية, وذلك أنهم يبيعون سلعة فإذا اقترب الأجل قالوا للمشتري: نربيك أو تعطينا, يعني: نربيك فنزيد في الأجل حتى تمهل في ذلك أو تعطينا حقنا. ونقول حينئذٍ: إن هذا أشد أنواع الربا تحريمًا؛ لأنه لا يتوقف عند حد, فكلما زاد في الأجل زاد في الربا, وهذا هو المراد بالمضاعفة في قول الله عز وجل: أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران:130] , يعني: تتضاعف بمقدار ذلك الأجل الذي يعطيه صاحب المال, فإذا كان في الحول زاد ضعفًا، وإذا كان في الحولين زاد ضعفين. وطريقتهم في ذلك على ما تقدم الزيادة, وهذا كان يتعامل به أهل الجاهلية وهو أمر مشهور عندهم, معروف عند أهل التجارة سواء كانوا من قريش أو من غيرهم, وقد وضعه النبي صلى الله عليه وسلم وسماه بربا الجاهلية, قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح: (ألا وإن ربا الجاهلية موضوع, وأول ربًا أضع ربا عمي العباس) , والمراد بربا الجاهلية إذا أطلق هو التضعيف بمقدار زيادة الأجل. ولهذا نقول: إن الإنسان إذا باع سلعة إلى أجل ثم زاد في سعرها بمقدار ذلك الأجل, فهل هذا يحرم ويدخل في أمر ربا الجاهلية أم لا؟ نقول: هذا لا يخلو من صورتين: الصورة الأولى: إذا قال الإنسان: أعطيك إياها ناجزًا بكذا وآجلًا بكذا, ثم يعطيه إياه, ثم يتملكها الإنسان, فعلق الأمر بين إنجاز القبض وبين الآجل, فهذا شبيه بصنيع أهل الجاهلية؛ لأنه لم يبع ناجزًا ولم يبع آجلًا، فعلق الأمر, فهذا يقال بتحريمه.