وإقامة الحجة ليست هي فهم الحجة، فلا يلزم من إقامة الحجة أن يفهمها الإنسان، وكذلك أيضًا فإن الإنسان إذا قال بلزوم فهم الحجة فإن هذا إحالة إلى عدم، فالله عز وجل أمر بإبلاغ الحجة حتى يسمع كلام الله, وما أمر بأن ينتظر الإنسان حتى يفهمها؛ لأن الفهم أمره باطن، والإحالة إلى الفهم إحالة إلى أمر غيبي، ولو قال الإنسان: إني لم أفهم هذه الحجة ولم يتضح لي الأمر, وبقي سنة وسنتين وثلاثًا وأربعًا وعشرًا ونحو ذلك لا يرفع عنه حكم الله, وإنما يكون معاندًا، ولهذا كفار قريش تأتيهم بالحجة ويقولون: لا ندري ما تقول، وربما يضعون في آذانهم شيئًا لا يسمعوا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وربما يستغشون ثيابهم، ولكن عليه أن يبلِّغ دين الله على لغة ووجه يفهمونها لو أرادوا أن يفهموا، فإذا لم يفهموا فإن الحجة حينئذ قامت عليهم، ويقوم الإنسان حينئذ بالمقاتلة، والمقاتلة هنا تكون بعد البيان كما تقدم، وإنما أمر الله عز وجل نبيه أن يقاتل المشركين؛ لأن الحجة قد بلغتهم قبل ذلك، فقاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بناء على الحجة السابقة، فقد وعظهم وذكرهم في مكة، وأرشدهم ودلهم وهداهم ولم يهتدوا ولم يرشدوا إلى طريق الحق، ثم قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك.
ثم أيضًا نفرق بين المشرك الوثني وبين الكافر الكتابي، وذلك أن المشرك الوثني لا تؤخذ منه الجزية ولا يقبل منه إلا أمرين وثالثٌ ضرورة: الأمر الأول: الإسلام, فإن أسلم وإلا فيقتل، وأما الجزية فلا تكون من الوثنيين. أما الأمر الثاني وهو: الاضطرار، وهو العهد والسلام. وأما الجزية فلا تؤخذ من المشركين. الجانب الثالث في هذا: وهو أن المسلمين يجدون ضعفًا في مقاتلة الوثنيين؛ كالذين يعبدون الأصنام أو غير ذلك من البوذيين وغيرهم، فإذا عجز المسلمون عن قتالهم فلهم أن يبرموا معهم سلامًا وعهدًا.