وكما تقدم من جهة تعليل التحريم إن الله عز وجل إنما منع من القتال في هذه الأشهر الحرم حتى لا يقطع الناس السبيل إلى المسجد الحرام, وهل بقي بذلك الأمر مستديمًا؟ بمعنى أن الأشهر الحرم يحرم فيها القتال على الإطلاق؟ نقول: إن العلماء اتفقوا وحكى الاتفاق على ذلك غير واحد على أن القتال في الأشهر الحرم جائز, وأن الأمر نسخه الله عز وجل بالكلية، وذلك لانتفاء العلة, والسبب الذي منع الله عز وجل لأجله القتال في الأشهر الحرم, وذلك أن الله عز وجل منع من القتال فيه حتى لا ينقطع السبيل، وذلك أن المشركين في مكة، وكانت مكة حينئذ في قبضة المشركين، فلما كانت في قبضة المؤمنين ونادى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرسل أصحابه أن ينادوا كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة (فنادوا ألا يحج بعد هذا العام مشرك, وألا يطوف بالبيت عريان) ، فامتنع المشركون من دخول مكة, وأصبحت مكة بلدًا للإسلام بالكلية ولا يدخلها حينئذ مشرك, فتعذر حينئذ المنع, فكان أصل التحريم من القتال في هذه الأشهر؛ خشية أن يصد أحد عن المسجد الحرام, فلما كان الأمر للمسلمين أصبح القتال خارج حدود مكة في أطراف جزيرة العرب, فكانت الحكمة في ذلك عكسية؛ ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل ثقيفًا في الأشهر الحرم بعد فتحه مكة عليه الصلاة والسلام, وأرسل أبا عامر عليه رضوان الله تعالى أيضًا عام أوطاس في الشهر الحرام, فقاتل فيه, ولهذا حكى الاتفاق غير واحد من العلماء على أن القتال في الأشهر الحرم نسخه الله سبحانه وتعالى.
ولهذا نقول: إن القتال في الأشهر الحرم قد مر بمراحل: المرحلة الأولى: مرحلة التحريم والتشديد فيه، وهذا في ابتداء الأمر.