هذا الذي يقول به جمهور الفقهاء وهو قول الإمام مالك و أحمد و الشافعي، وغيرهم من أئمة الفقه، أن المرأة ذات الولد وغير ذات الولد إذا كانت زوجة فإنها تتربص بنفسها شهرين وخمسة أيام، وذهب بعض الفقهاء إلى أنها تتربص أربعة أشهرٍ وعشرًا، قالوا: لأن أم الولد تختلف عن غيرها، ويستدلون بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص كما رواه قبيصة بن ذؤيب عن ابن العاص أنه قال: (لا تفسدوا علينا سنة نبينا، تتربص أم الولد أربعة أشهر وعشرًا) . هذا الحديث أنكره غيره واحد من الأئمة، أنكره الإمام أحمد عليه رحمة الله، وسائر النقاد الأوائل على إنكاره، والعمل في ذلك عند جماهير الفقهاء على أن أم الولد في ذلك تتربص شهرين وخمسة أيام، وأنه لا دليل يخرجها عن حكم غيرها من الأزواج إذا كانت أمة، وأما الأمة إذا لم تكن زوجة: إذا وطئها سيدها فإن هذه الآية لا تتعلق بمثل هذه الحال، فنقول: إن الإماء لا يدخلن في هذه الآية.
وفي قول الله سبحانه وتعالى: فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ [البقرة:234] ، هنا الخطاب توجه إلى الأزواج، والأولياء، توجه إلى الأزواج بالتربص وببلوغ الأجل، وأما بالنسبة فيما فعلن في أنفسهن فإنه يتوجه إلى الأولياء. وفي هذا دليل أن المرأة ولو كانت ثيبًا فلا تتزوج إلا بولي، فهذه المرأة قد توفي عنها زوجها فاعتدت تلك العدة ثم توجه الخطاب على سبيل الاستثناء مع أن السياق للزوجات، وجه الله جل وعلا الخطاب للأولياء في قوله سبحانه وتعالى: فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ [البقرة:234] ، وذلك أن الخطاب إما أن يكون للزوج والزوج توفي، وإما أن يكون الخطاب في ذلك للولي، فهذا قطعي ولا مناص عنه، وإما أن يكون الخطاب في ذلك إلى الزوجة والسياق، وكذلك الضمير لا يخدم ذلك.