وهنا في ذكر المحراب المراد بذلك: هو موضع العبادة، وليس المراد بذلك المحاريب الموجودة في زماننا، وهي التي تكون مستديرة أو مربعة في مواضع أو في أماكن العبادات، وإنما هو موضع الصلاة التي يضعه الإنسان.
قوله تعالى: (قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام ... )
وفي قول الله سبحانه وتعالى: قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا [آل عمران:41] ، في هذه الآية مسألتان من مسائل الفقه:
أولها: ما يتعلق بالهجر، الله عز وجل جعل الأيام ثلاثة التي لا يكلم فيها الناس؛ لأنه أقصى الهجر، ولا يوجد سبب شرعي يتعلق بالمهجورين، فجعل الله عز وجل في ذلك الهجر على ثلاثة أيام؛ لمصلحة شرعية قائمة فيه، والهجر قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه، لما جاء في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: (لا يهجر أحدكم أخاه فوق ثلاث) ، وكذلك جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام كما في السنن قال: (من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه) ، وقد صحح هذا الحديث غير واحد من العلماء. فالهجر إما أن يكون لأمر قائمٍ في الهاجر، وإما أن يكون لأمرٍ قائم في المهجور، وإذا كان لأمر قائم في الهاجر فإنه يجوز لليوم واليومين والثلاثة، ولا يجوز فيما عدا ذلك، ولهذا الله سبحانه وتعالى جعل هنا صيامه يعني: إمساكه عن الحديث مع الناس لثلاثة أيام، وهذه العلة التي قامت في هذا الأمر على ما تقدم أن الإنسان ربما يعجز عن بيان حجة لعظم الإعجاز فيها، والإمساك في ذلك أولى عن بيان سبب ظاهر للأمر القائم فيه، فبيانه للناس شاق. وأما العلة الثانية التي تكون في المهجور، فالهجران في ذلك إما أن يكون بسبب شرعي فيجوز فوق ثلاث بمقدار المصلحة، وأما إذا كان من غير سبب شرعي فإنه لا يجوز فوق ثلاث، ويجوز فيما دونها، وعلى خلافٍ عند العلماء عليهم رحمة الله في الهجر بلا سبب دون ثلاث.