قالوا: يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [البقرة:30] , فالملائكة قاسوا أنفسهم بالخليفة الذي يكون في الأرض, وظنوا في ذلك أن الله عز وجل أراد منهم العبادة المجردة, وأنهم أرادوا مزيد بيان للحكم في إيجاد هؤلاء الخلفاء في الأرض, فإذا كان غير التسبيح والتحميد فما المراد يا رب؟ ولكن الله عز وجل قال: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30] , يعني: الحكم هي أعظم من أن تستوعبوها وتدركوها, وهذا في الإشارة إلى ما تقدم الكلام عليه, أن الله سبحانه وتعالى لا يبين الحكم ربما حتى للملائكة؛ لأن ما كل حكمة يدركها المخلوق, فقد يكون عقل الإنسان وعقل المخلوق صغيرًا والحكمة عظيمة جدًا كما تقدم الإشارة إليه, فإذا بين الله عز وجل الحكمة تحير الإنسان وعجب من ذلك, فالحكمة لا تتحقق للإنسان في نظره إلا بسبر طويل لا يستوعبه؛ لهذا تجد الإنسان المعمر الذي يعمر مائة سنة مائتين سنة وهو بشر مخلوق, لديه من البشر والعبر ما يقولها باختصار لمن دونه ولا يأبه بها, ويأسف أن من دونه لم يفهمها كما يفهمها هو, والسبب في ذلك أنه عُمِّر مائة سنة, فأعطاه الله عز وجل من الحكم ما لا يستوعبه من دونه, فكيف بالخالق جل وعلا وله المثل الأعلى أن يبين لمخلوق حكمة جعلها الله عز وجل في إيجاد بشر أو إيجاد خليفة, وهؤلاء الخلفاء لا تظهر فيهم الحكمة لمخلوق إلا بعد سبر حالهم إلى قيام الساعة, وذلك مما لا يدركه الإنسان؛ ولهذا جعل الله عز وجل عقول البشر بحسب أعمالهم, لا تزيد عن ذلك, ولهذا علم الإنسان يناسب حجمه في الكون, ومن أراد أن يعلم قدر علمه فلينظر إلى حجمه في الكون وسيعرف أن علمه على هذا النحو بالنسبة للكون كله؛ ولهذا كثير من الحكم لا تبين.