ثم أيضًا في قول الله عز وجل: فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:192] ، أنه يجب على المؤمن ألا يعمل بهواه، وذلك أن المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملون على المشركين في مكة حملا ً عظيمًا؛ لأنهم أخرجوهم من أهليهم, وأخرجوهم من أموالهم، وأولادهم, وأراضيهم, وعيروهم, وأنشدوا فيهم الأشعار وغير ذلك، وأساءوا إليهم عند الناس، ولكن الله عز وجل دفع ذلك ليبين أن المقاتلة إنما هي لدين الله, ليست لانتقام النفس، ولهذا قال الله عز وجل: إن انتهوا عن المقاتلة، المسألة ليست تصفية حسابات ماضية، إن قاتلوكم الآن فقاتلوهم وإن انتهوا فإن الله غفور رحيم، أي: يغفر لهم إن وضعوا السلاح ودخلوا الإيمان، فإن الإسلام يجب ما قبله، ولهذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح من حديث عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا تعلم يا عمرو إن الإسلام يهدم ما قبله، وإن الهجرة تهدم ما قبلها، وإن الحج يهدم ما قبله) ، وبهذا ينبغي للإنسان إذا آمن من آمن ولو كان له أمر سابق وجريرة في حق المؤمنين ينبغي ألا يتعلق ذلك بالمؤمنين في نفوسهم انتقام منه، ولهذا من أعظم المصائب التي جاءت على رسول الله صلى الله عليه وسلم هي مصيبته في قتل عمه حمزة، حتى ذكر أهل السير كابن إسحاق وغيره (أن النبي عليه الصلاة والسلام لما جاء إلى جثته ووجد بطنه مبقورة وقد أخذت أحشاؤها؛ وقف عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ما أصاب بمصيبة بعدك) ، يعني: لشدة وقع ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلما جاء من قتل عم رسول الله وهو وحشي كما جاء في صحيح البخاري , قال النبي صلى الله عليه وسلم لما يجد في قلبه لما أسلم قال: (إن استطعت ألا تريني وجهك فافعل) ، وفيه إشارة إلى ذلك الهم الذي في قلب النبي صلى الله