ثم أيضًا أن الشريعة إنما تحرم كثيرًا من الأحكام الشرعية فيما يتعلق ببعض المحرمات كالربا وغير ذلك، قطعًا لما يرد من شر يقيني، ولو لم يرد في كل صورة فإنه يرد في غيرها من الصور، فيقطع الشارع دابر الشر في ذلك، فمن الناس من يقول: أنا أتعامل بالربا بطيب نفس مني، فعلى هذا يجوز الربا أن يأخذ الإنسان قرضًا بمائة، ويريد من ذلك أن يدفعه بمائة وعشرين، هل له إذا رضي في ذلك أن يحلل ما حرم الله؟ نقول: رضا النفس لا علاقة لها في إحلال ما حرم الله عز وجل. كذلك ما يتعلق بالزنا أن يزني الإنسان بامرأة برضا الطرفين، هذا لا اعتبار له في حكم الله عز وجل، فالله عز وجل جعل الأحكام وأوجب على الإنسان أن يمتثل أمره سبحانه وتعالى.
المسألة الثانية: أن الصحابة عليهم رضوان الله حينما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر والميسر، سألوه عن هذين الأمرين، قد يكون السؤال في سياق واحد، أو في سياق منفصل، فجاء الجواب مجتمعًا، لبعض العلل ومن ذلك والله أعلم: أن التحريم إذا جاء مرة واحدة فهو أقرب إلى التيسير مما إذا جاء مفرقًا، فإنه أيسر على النفس إذا بينت الأحكام مرة واحدة من جهة وقعها على النفس خاصة فيما يتشرب على الإنسان، فالإنسان إذا حرم عليه شيء اليوم ثم حرم عليه بعد ذلك، ثم حرم عليه بعد ذلك، ثم حرم عليه بعد ذلك محرم، فإن هذا أشد على نفسه مما لو حرم عليه مرة واحدة، واجتمع ذلك في أمر واحد، فإن ذلك يزول، وهذا ليس على اطراده، وإنما يأتي في بعض الصور من جهة الأفعال، ويختلف عنه في بعض الصور، ولهذا جاءت الشريعة بالتدرج في كثير من الأحيان، وجاءت في الإجمال في بعض الأحيان.