فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 1575

وهنا قد يسأل سائل فيقول: ما المراد من الحبس والسجن إذا كان الإنسان يستمتع بالمأكول والسكن؟ نقول: إن النفي من الأرض, وكذلك السجن هو أن يبتعد الإنسان عن مسكنه في أمر النفي, وأما بالنسبة للسجن ألا يملك الإنسان تصرفه بنفسه؛ ولهذا نقول: إن النفي: هو سجن موسع, أن يبتعد الإنسان عن أرضه وأهله؛ ولهذا فالله جل وعلا قد جعل الإخراج من البلد مقترنًا بالقتل, ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ [البقرة:85] , يعني: أن القتل وإخراج الأنفس من الديار يتساويان من جهة الشدة في العقوبة, وشدة العقوبة هذه دليل على أنها لا تنزل إلا على شيء عظيم.

ونتكلم فيما يتعلق بالنفي وكذلك السجن, فمن العلماء من قال: إنه لا يوجد نفي ويوجد سجن, وقالوا: إن في قول الله جل وعلا: أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ [المائدة:33] , المراد بذلك طردهم لأجل الإمساك بهم, وأنهم إذا مسكوا أقيم عليهم الحد, وأما طلبهم في الأرض فهو ألا يدخلوا هذه البلد, وتلك عقوبة يسكن في أي بلد أخرى, وهذا قد جاء عن غير واحد من المفسرين, فجاء عن عبد الله بن عباس؛ كما رواه عبد الرزاق وغيره, كذلك ابن حزم الأندلسي من حديث عكرمة عن عبد الله بن عباس أنه قال في قول الله عز وجل: أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ [المائدة:33] , قال: يطلب منها فإذا أمسك أقيم عليه الحد وإلا فذاك نفيه, فكأنه فسر النفي هو بألا يدخل المدينة, فإذا طلب وأمسك به فإنه يقام عليه الحد, فكأن النفي ليس عقوبة بذاته, وهذا جاء عن غير واحد من المفسرين, ومنهم من نفى ذلك على الإطلاق وقال: لا عقوبة في النفي أيضًا, وهذا قول لا يعول عليه مع ثبوته في كلام الله وظهوره في غير موضع من الآي. وفي ما ذكره الله سبحانه وتعالى من النفي في الأرض معنيان: المعنى الأول: النفي وتقدم الكلام عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت