وفي سؤال الملائكة لله جعل وعلا قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [البقرة:30] , جواز السؤال عن الحكمة لمن أمر بعمل؛ ولهذا الله عز وجل بين للملائكة هذا الأمر, ويلزم من ذلك أن يعلموا أن لديهم مهمة في الأرض ستأتي تبعًا لذلك, وهذه المهمة ما تقدمت الإشارة إليها من الكتاب, والله عز وجل يعلم ذلك كله, ولكن ... الكون, وكذلك أيضًا من ضبط أحوالهم ومعيشتهم, وكذلك أيضًا أرزاقهم وقبض أرواحهم, هذا مما جعله عز وجل في أمر الملائكة, فيه إشارة إلى أنه يصح من المحكوم أن يسأل الحاكم إذا أمره بأمر عن علة هذا الأمر, فهذا ما حدث بين الخالق سبحانه وتعالى وبين المخلوق من الملائكة, وما كان من المحكوم مع الحاكم ليس بأعظم مما كان بين الله سبحانه وتعالى وبين الملائكة, فإن التقارب بين الحاكم والمحكوم من البشر أمر معلوم؛ ولهذا الله سبحانه وتعالى ما عاتب الملائكة على سؤالهم ذلك, وإنما أحجم سبحانه وتعالى عن بيان الحكمة من إيجاد الخليفة. وهل يجب على الحاكم أن يفيد المحكوم بعلته؟ الجواب: نعم يجب عليه؛ لأن الله سبحانه وتعالى حينما جوز للملائكة أن يسألوه عن حكمته من إيجاد الخليفة لم يجبهم لعدم إدراكهم للعلم, فبين أن العلة في ذلك أنه يعلم ما لا تعلمون, وأما بالنسبة للمخلوق الحاكم فإنه يدرك ما يدركه المحكوم فوجب عليه أن يجيب, فإنه لكل سؤال جواب. كذلك أيضًا من مقتضيات ذلك ولازمه أنه يجب على الحاكم إذا أمر بأمر أن يقرنه بوجود العلة من ذلك, وهذا مقتضى السياق, وفي سؤال الملائكة الله سبحانه وتعالى عن الحكمة من إيجاد البشر إشارة إلى أنهم علموا أن الله سبحانه وتعالى لا يأمرهم بأمر إلا والحكمة ظاهرة لديهم فيه, وإذا لم تظهر لديهم سألوا الله عز وجل عنها وإذا لم يكن ذلك كذلك لكان السؤال في ذلك فضولًا ولا يكون أبدًا.