والظاهر الوجوب، وشدد الإمام مالك رحمه الله فقال: إن غير المختون لا تصح إمامته ولا تقبل شهادته، وقد جاء في ذلك عن عبد الله بن عباس خبر مرفوع وموقف, والصواب في ذلك الوقف أن الأقلف -يعني: غير المختون- لا تصح ذبيحته, وهذا يدل على تأكده وتشديد السلف في ذلك.
وأما بالنسبة للاستنجاء والاستجمار فقد جاء في حديث عبد الله بن عباس أنه مما ابتلى الله به إبراهيم, نقول: والاستجمار: هو استعمال الحجارة، تسمى جمرة, ولهذا سمى رمي الجمرات؛ لأنها حصى. أما الاستنجاء بالماء -ويتجوز الفقهاء باستعمال العبارتين بعضهما عن بعض- فهو واجب؛ لأنه إزالة نجاسة، إذا كانت في غير موضع النجاسة، فموضع النجاسة من باب أولى, وهذا من الهدي الذي ينبغي للإنسان أن يهتم وأن يعتني به.
لكن لدينا مسائل في هذا من هذه المسائل: أيهما أولى استعمال الماء أو استعمال الحجارة؟ لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه استنجى بالماء، ولا أعلم في ذلك خبرًا صحيحًا صريحًا أنه استنجى بالماء، وإنما الثابت عنه أنه كان يستجمر عليه الصلاة والسلام, وبعض الفقهاء يستدل ببعض الأحاديث أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحمل معه إداوة من ماء وعنزة، والاداوة هل هي للاستنجاء أو للوضوء؟ النبي عليه الصلاة والسلام كان يتوضأ إذا خرج من الخلاء. ولهذا كره بعض السلف استعمال الماء كما كرهه حذيفة بن اليمان وغيره؛ وسبب الكراهة في ذلك أن أيديهم تباشر موضع النجاسة, فكرهوا ذلك الأمر ولم يكن مشتهرًا مستفيضًا عندهم. أما الحديث أنهم كانوا يتبعون الحجارة الماء فهذا خبر لا يثبت بذكر الماء فيه, ونقول: إذا كانت يد الإنسان تباشر موضع النجاسة فالحجارة أفضل, وإذا كانت لا تباشر فالماء أفضل وأنقى، إذًا: فالعبرة بالإنقاء وعدم مباشرة اليد.