وفي قوله سبحانه وتعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125] , إذا لم يستطع الصلاة خلف المقام فإنه يصلي في أي موضع شاء, والطواف تحية البيت فإنه ينوب عن الصلاة, ولهذا قال بعض العلماء: إن الطواف عند البيت أفضل من الصلاة فيه؛ لأن الله جل وعلا جعل تحية البيت الطواف فيه ولم يجعل الصلاة, وجعل الصلاة لغيره من المساجد, ومن تعذر عليه الطواف جعل الصلاة بدلًا عنه, ومعلوم أن المُبْدَل منه آكد من البدل, ولهذا نقول: إن الوضوء أولى وآكد من التيمم, فالطواف هو آكد من الصلاة, على خلاف عند العلماء أيهما أفضل: الطواف أم الصلاة في البيت؟ منهم من فرق, ومنهم من لم يفرق, ومنهم من قال: إن الطواف أفضل من الصلاة, ومنهم من فرق بين الآفاقي وغيره.
وقوله جل وعلا: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ [البقرة:125] , العهد من الله سبحانه وتعالى إما أن يعدى بـ (إلى) وإما ألا يعدى بـ (إلى) , فإذا عدي بـ (إلى) فالمراد بذلك: الوصية والميثاق الذي يجب على الإنسان أن يفي به, ولهذا نقول: إنه بهذا المعنى هو العهد الشرعي, ونستطيع أن نقول: إن العهد على نوعين: عهد شرعي, وهو الذي يعدى بـ (إلى) , وهو الوصية, أي: عهدي إليك أن تفعل كذا وكذا, فهذا هو الوصية من الإنسان لغيره, وهو وصية الله جل وعلا لإبراهيم وإسماعيل في هذه الآية. وعهد كوني: وهو الذي لا يتعدى بـ (إلى) , والعهد الكوني لابد أن يقع, وذلك كقول الله جل وعلا: لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124] , وهذا من الله جل وعلا قضًاء وتقديرًا أن عهد الله جل وعلا لا يتولاه الظالمين، فإن الله سبحانه وتعالى قضى وقدر أمرًا محتومًا لا بد أنه صائر فعهد الله جل وعلا لا يناله ولا يتولاه إلا أهل الإسلام.