وأما في قول الله سبحانه وتعالى: إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [البقرة:180] ، هذه آية منسوخة، وقد اتفق العلماء عليهم رحمة الله تعالى على ذلك، أنها كانت في ابتداء الأمر, وذلك أنه كان في بداية الإسلام يجعل الله عز وجل الميراث للأولاد من البنين والبنات، وجعل الله عز وجل للوالدين وللأقربين الوصية، فيضرب الإنسان لوالديه مما شاء، وهذا على سبيل التدرج في أمور الأحكام ككثير من الشرائع، ثم لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا وصية لوارث) ، بقي هذا الأمر محكمًا. وقد حكى غير واحد من العلماء: أن الوصية للوالدين منسوخة، وحكى الإجماع على ذلك, ولكن اختلفوا في الناسخ لهذه الآية: منهم من قال: عموم الفرائض. ومنهم من قال: فرض الوالدين، أن الله عز وجل حينما فرض لهما النصاب جعل الوصية باقية للأقربين, وجعلها بالنسبة للوالدين منسوخة.
وكذلك أيضًا من صور الحيف في الوصية: أن يوصي الإنسان بما يضر بالورثة ولو كان في وجه حق، كالذي يوصي بأكثر من ثلث ماله, ولو كان ذلك في عمارة المساجد وطباعة المصاحب أو في إطعام المساكين والفقراء وغير ذلك فهذا محرم، لأنها وصية فيما زاد عن القدر الذي أذن به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا أوصى فيما دون الثلث وهو يضر بالورثة فهو يحرم كذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أذن لسعد بن أبي وقاص لأنه لا يرثه حين استأذن منه إلا بنت، فأذن له قال: (الثلث والثلث كثير) ، ثم علل النبي عليه الصلاة والسلام ذلك في قوله: (إنك إن تذر ذريتك أغنياء خيرًا من أن تذرهم ضعفاء أو فقراء يتكففون الناس) .