وفي قول الله عز وجل: فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ [البقرة:54] , دليل على ما تقدمت الإشارة إليه أن إقامة الحدود كفارة لأصحابها, كفارة لتلك الذنوب التي وقعوا فيها, وهذه المسألة خلافية, وعامة العلماء على أنها كفارة, ويستدلون بحديث عبادة بن الصامت عليه رضوان الله تعالى وهو الصحيح, قال: (من أصاب من هذه حدًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له) , وجاء عند الحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة قال: لا أدري أيغفر له أم لا, أو إلى الله, إن شاء غفر له وإن شاء عذبه, يعني: أن مرده إلى الله عز وجل ولا يغفر له ذلك الذنب, ويظهر والله أعلم أن حديث عبادة ناسخ لحديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى.
قوله تعالى: (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها ... )
الآية الثانية قول الله سبحانه وتعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا [البقرة:58 - 59] .
في قوله جل وعلا: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ [البقرة:58] , هذه القرية هي بيت المقدس على الصحيح, والقرية إنما سميت بذلك لقرار الناس فيها, فما يقر الناس فيه يسمى: قرية, ويطلق هذا على سائر البلدان سواء كانت صغيرة أو كبيرة, فما استقر فيه الناس واستداموا بقاء فإنه يسمى: قرية, ولا يتوجه إلى ما يسكنه الناس من بيوت الشعر ونحوها, باعتبار أن الناس ما استقروا فيها؛ لأنها ليست بقرار, فتطلق القرى على المواضع التي يقر فيها الناس مددًا طويلة فلا يرتحلون.