وهذا ينبغي للإنسان أن ينظر فيه بعين البصيرة, بالنظر إلى الأحوال, وإذا تعذر على الإنسان أن يقيم الحد بنفسه فهل له أن يستدعي غيره؛ بأن ينصبه واليًا ونحو ذلك، وأن يقيمه في حال تعطيل الحدود؟ نقول: هذا حكمه على ما تقدم, من جهة الأصل هو المنع, والعلماء يتفقون على أن مرد ذلك إلى ولي الأمر, وهذا ربما يحتاجه من يتعلق بمسائل تطبيق أحكام الشريعة في العقود وغيرها في الأقليات في بلدان المسلمين, وذلك أنه يكون لديهم الحاجة بإقامة أحكام الله, بالتراضي فيما بينهم, وأما من غير تراض فإن المفسدة في ذلك ظاهرة, ولكن من الناس من يريد تطهيرًا, ويعلم أنه لو ذهب مثلًا إلى ولي الأمر أو الحاكم في ذلك البلد أنه لن يقيم الحدود, وهذا يريد أن يطهر, أو يتداعى اثنان ثم عرف أحدهما وأقر بالحق؛ فهل لأحد أن يقيم الحد عليه؟ نقول: يجوز له, بل يجب عليه على قول جماعة من العلماء, وحكي الاتفاق على هذا إذا لم يكن ثمة مفسدة, خاصة في حال الإقرار؛ كشخص قذف شخص بزنا, ثم قال: إني قد أقررت بأني قذفتك بباطل، وأريد أن يقام علي الحد, وهم في بلد لا يقام فيه الحد, أو لو أراد أن يرفعه إلى السلطان لم يقم حكم الله عز وجل عليه؛ جاز أن يقيم حكم الله عز وجل عليه آحاد الناس, وهذا حكي الاتفاق عليه؛ لأن مثل هذا لا تظهر فيه المفسدة, وأما أن يفتح هذا الباب للناس بأن يقيموا الحدود من غير ولي أمر فإن في مثل ذلك مدعاة لفتح أبواب البغي فيما بينهم, ولهذا نقول: إن مثل هذا يدفع, ولهذا للإنسان أن يقيم حكم الله, وأن يزجر أهل الباطل ممن أصابوا حدًا أو تعزيرًا ولو لم يرفعه إلى ولي الأمر إذا غلب على ظنه أن ولي الأمر لا يقيم حكم الله عز وجل عليه.