وفي قول الله جل وعلا: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ [البقرة:177] ، الله سبحانه وتعالى ذكر أن البر في هذه الآية هو الإيمان بالله، وذلك أن الله عز وجل لا يتقبل من الإنسان عملًا حتى يؤمن بالله، فإذا كان كافرًا توجه إلى بيت المقدس، أو توجه إلى مكة ولم يكن من أهل الإيمان بالله لم يكن ذلك في عداد البر، كحال الرجل الذي يقوم ببر أبيه بعد بره لعمه وخاله وجاره ونحو ذلك، نقول: هذا عقوق وليس برًا, حتى تقيم وتعيد الأمور إلى نصابها فيعتبر في أمور البر, ولو كان في ذاته إذا جرد عن قرائنه يعد هذا من البر، فذكر الله سبحانه وتعالى مسألة الإيمان: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، ذكر الله عز وجل ما يتعلق بأمور الغيب، وهذه ليس لنا كلام فيها في هذا الموضع وهذا المجلس؛ وذلك لأن كلامنا إنما هو على مسائل الأحكام. فذكر الله عز وجل شيئًا من أمور الغيب، الملائكة, والكتاب, والنبيين، الإيمان بسائر الأنبياء, ومنهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم, فلا يتحقق للإنسان الإيمان إلا بالإيمان بهم جميعًا، فمن آمن بجميعهم وكفر بواحد منهم كان كافرًا بالجميع, ولا خلاف عند العلماء في ذلك.