ومن العلماء من قال: إن ثمة أمارات لرشاد اليتيم وقرائن تعرف به، منهم من يقول: هو صلاحه في دينه, إذا صلح في دينه فإنه يعرف مواضع الحرام، يعرف بذل المال في الحرام، وبذل المال في الحرام هو ضرب من ضروب السفه، ويوجب على صاحبه إذا كان يتقصد ذلك الحجر، فإذا كان صاحب ديانة فإنه يميز ويتوقى الحرام، فلا يضع ماله في خمر ولا في ميسر ولا في قمار ولا في رشوة ولا في ربا ولا في غير ذلك من أمور الحرام، فلا يشتري منه شيئًا حرامًا، ولا يبذله في حرام، ويعرف مواضع الإسراف والتقتير والتوسط في ذلك، فإذا عرف ذلك فإن هذا أمارة على رشاد. ومنهم من قال: من أمارات الرشاد: إقامة الصلاة، وقد رواه ابن جرير الطبري عن عبيدة بن عمرو أنه قال: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا [النساء:6] ، قال: فإن أقاموا الصلاة يعني: رشدوا، عرفوا وميزوا الخير من الشر، ولا شك أن إقام الصلاة تنهى الإنسان عن الفحشاء والمنكر، فتنهاه عن بذله في حرام، وإن بذله مرة توقاه في المرة الأخرى, وربما كان أكثر رجوعًا وإنابةً مما يقع فيه من حرام.
وقوله جل وعلا: فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ [النساء:6] ، في هذا دليل على أنه يحرم حبس مال اليتيم، وهذا نص صريح في ذلك، فليس للولي والوصي إذا أدرك اليتيم الخير من الشر وميز ذلك أن يحبس ماله عنه، ولهذا ظاهر الأمر الوجوب في قوله: فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ [النساء:6] ، يعني: لا تحبسوها عنهم بعد يقينكم أنهم رشدوا وميزوا الخير من الشر وأحسنوا التصرف في ذلك. ويعضد ذلك ويؤيده في قوله: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى [النساء:6] ، أي: أنه يجب عليكم أن تبتلوا اليتامى مرة بعد مرة حتى تعرفوا حقيقة تصرفهم في ذلك، فإذا اتضح لكم وتيقنتم من ذلك، فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ [النساء:6] .