فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 1575

والله سبحانه وتعالى يبين الأحكام في كتابه العظيم في كثير من الأحيان ولا يبين العلل من ورود الحكم, وذلك أن بيان الحكم في كلامه جل وعلا أظهر وأسهل من بيان العلة في عقل الإنسان، لا من جهة سهولة بيانها فكل شيء سهل لله سبحانه وتعالى, والمراد من هذا أن الله عز وجل يأمر عباده بشيء ثم لا يبين علته؛ لأن العلة لا يمكن أن تتضح إلا بتمام سبر للإنسان منذ بدء الخليقة إلى أن يبعث الله عز وجل البشرية يوم القيامة, وأما من نظر إلى يوم وحكم وحده جعله الله على فرد ثم أراد أن يبين فساد حكم أو صحته في كلام الله فهذا من قصور العقل وضعف الإدراك؛ وذلك أن الأحكام العامة لا تبطل بنظرة الأفراد فضلًا عن قضايا أعيان تنزل في البشر؛ ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى لا يبين الأحكام, ولا يبين في الناس بعض الحكم لأن العقل لا يدرك, كما أن البصر لا يدرك لو حد, فإذا جاءه ضوء شديد بهره؛ لهذا منع الله عز وجل موسى من رؤيته؛ فـ قَالَ لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143] , يعني: أنت في خلقتك هذه لا تستطيع أن تراني, كذلك في عقل الإنسان لا يستطيع أن يرى أو أن يدرك كثيرًا من أحكام الله سبحانه وتعالى، وحاله كحال الإناء إذا أردت أن تفيض فيه البحر لا يستطيع أن يحويه بل لو أفضت عليه بحرًا لضاع في هذا البحر, كذلك حال علم الإنسان إذا أراد أن يعرف علة الشيء من أمر الله سبحانه وتعالى وأراد الجواب عليها, لو بينها الله له لأفاض له من الحكم شيئًا كثيرًا فضاع وأصيب بحيرة؛ لهذا يبين الله عز وجل للإنسان حكمًا ثم يمسك عن بيان العلة؛ لأن العلة لا يدركها الإنسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت