وأيضًا في قول الله جل وعلا: فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ [النساء:6] ، هنا بإضافة المال إليهم بيان لحقهم في ذلك، وتملكهم للتصرف في مالهم, وأن حبس مالهم عنهم يحرم، وهذا مما لا خلاف فيه كحبس سائر الأموال، أن يحبس الإنسان ماله عن أخيه، أو يحبس مال جاره عنه، أو يحبس مثلًا مال زوجته عنها، فهذا مما يحرم، فإذا طلبه الراشد من الناس ذكرًا كان أو أنثى فيجب أن يعطى المال، وإذا منع ذلك للسفه وعدم الرشاد فيحسن إليه في القول على ما تقدم في قول الله جل وعلا: وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا [النساء:6] ، يعني: حتى لا يظنوا أن حبسكم لمالهم إضرار بهم، فلا يغلب على ظنهم أنكم حبستم المال لحظ أنفسكم لتأكلوه وتستمتعوا به فيغلب على ظنهم لإساءة القول أو الجفوة معهم أنكم أردتم بهم ضرًا، بل الإحسان إليهم بالمعروف وبذل الانبساط لهم حتى يدفع في ذلك سوء وقالة الشيطان فيه بين اليتيم ووليه ووصيه.
وقوله جل وعلا: فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا [النساء:6] ، أمر الله عز وجل بدفع الأموال والمسارعة في ذلك، ثم حذر الله عز وجل وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا [النساء:6] ، نهى الله سبحانه وتعالى عن أكل مال اليتيم. وتقدم معنا الإشارة في هذا, وذكرنا جملة من القرائن التي تدل على أن أكل مال اليتيم من جنسه أنه أعظم عند الله عز وجل من جنس أكل مال الربا، وأن الله عز وجل إنما عظم مال الربا؛ لأنه أكثر تقنينًا, والنفوس تتشوف إليه، بخلاف مال اليتيم، النفوس تتعفف عنه وتحتاط، حتى النفوس الدنيئة بخلاف الربا.