الأمر الثالث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى النافلة قاعدًا ودنا من الركوع قام ثم ركع) , وهذا في الركوع, والسجود من باب أولى, فالإنسان إذا قام يصلي النافلة كقيام الليل مثلًا, وأراد أن يصليها جالسًا فله أن يصليها جالسًا, لكن يتأكد في حقه إذا قرب من ركوعه أن يقوم حتى يكون ركوعه عن قيام, وذلك أن الركوع والسجود عن قيام أظهر في أمر التعبد والانقياد والتذلل لله جل وعلا, ولهذا نقول: إنه يشرع للإنسان في سائر أنواع السجود؛ كسجود الشكر, وسجود التلاوة, وسجود الآية, أن الإنسان يقوم ثم يسجد لله سبحانه وتعالى, وهذا هو السنة.
وفي قوله سبحانه وتعالى: وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:58] , أمر الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل أن يقولوا: حِطَّة, والمراد بالحطة هو غفران الذنوب, أي: يحط الله جل وعلا عنهم الخطايا, وهذه الخطايا التي يحطها الله عز وجل عنهم ما كان مما سلف قبل ذلك, وهذا فيه إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يديم الاستغفار باللفظ المشروع, فالله عز وجل قد جعل لبني إسرائيل هذه اللفظة: حطة, وجعل الله عز وجل لبعض الأمم -كأمة الإسلام- الاستغفار؛ أستغفر الله وأتوب إليك, فينبغي أن يتقيد باللفظ المشروع, ولكن ما قالوا: حطة, وإنما بدلوها وقالوا: حنطة, وجاء في رواية: حبة, وهذا من تحريفهم لكلام الله جل وعلا, ومعلوم أن تحريف اللفظ والمعنى عظم واشتهر عند النصارى, كما تقدمت الإشارة إليه, وأما تحريف المعنى مع ثبوت اللفظ فعظم واشتهر عند اليهود، وتحريف المعنى مع بقاء اللفظ أشد حرجًا؛ لأنه أعظم في العناد؛ لأن الذي يدلس هم أحبارهم, حيث يقومون بتحريف الله عز وجل, وقلب العبارة, فالذين يأتون بعدهم لا يظنون إلا أن هذا كلام الله.